عظيم بحساب الله وميزانه ووصفه الذي لا يرتقي إلى تصوره أبناء الأرض المقلون المحدودون الفانون ! الدرس الرابع:11-14 كشف وفضح المتحلفين وتهديدهم وبيان حقيقة المعذوين
وعندما يصل إلى حقيقة البيعة , وإلى خاطر النكث وخاطر الوفاء , يلتفت بالحديث إلى المخلفين من الأعراب , الذين أبوا أن يخرجوا مع رسول الله [ ص ] لسوء ظنهم بالله , ولتوقعهم الشر والضر للمؤمنين الخارجين , الذاهبين إلى قريش في عقر دارها , وهي غزت المدينة قبل ذلك عامين متواليين . . يلتفت إليهم لينبى ء الرسول [ ص ] عما سيعتذرون به إليه بعد عودته سالما هو ومن معه , وقد هادنته قريش ولم تقاتله , وعقدت معه معاهدة يبدو فيها - مهما كانت شروطها - التراجع من قريش , واعتبار محمد [ ص ] ندا لها تهادنه وتتقي خصومته . ويكشف له عن الأسباب الحقيقية لعدم خروجهم معه , ويفضحهم ويقفهم مكشوفين أمام رسول الله [ ص ] وأمام المؤمنين . كما ينبئه بما فيه البشرى له وللخارجين معه ; وهو أنهم سيخرجون إلى مغانم قريبة ميسورة , وأن المخلفين من الأعراب سيطلبون الخروج معه لينالوا من هذه الغنائم السهلة . ويلقنه طريقة معاملتهم حينئذ والرد عليهم . فلا يقبل منهم الخروج معه في هذا الوجه القريب الميسور الذي سيقتصر على من خرجوا من قبل وحضروا الحديبية . إنما ينبئهم بأن هنالك وجها آخر فيه مشقة وفيه قتال مع قوم أولي بأس شديد . فإن كانوا حقا يريدون الخروج فليخرجوا يومئذ , حيث يقسم الله لهم بما يريد . فإن أطاعوا كان لهم الأجر الكبير , وإن عصوا كما عصوا من قبل كان لهم العذاب الشديد:
سيقول لك المخلفون من الأعراب:شغلتنا أموالنا وأهلونا , فاستغفر لنا , يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم . قل:فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا ? بل كان الله بما تعملون خبيرا . بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا , وزين ذلك في قلوبكم , وظننتم ظن السوء , وكنتم قوما بورا . ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا . ولله ملك السماوات والأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء , وكان الله غفورا رحيما . سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها:ذرونا نتبعكم . يريدون أن يبدلوا كلام الله . قل:لن تتبعونا . كذلكم قال الله من قبل . فسيقولون:بل تحسدوننا . بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا . قل للمخلفين من الأعراب:ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد , تقاتلونهم أو يسلمون , فان تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا , وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما . .
والقرآن لا يكتفي بحكاية أقوال المخلفين والرد عليها ; ولكنه يجعل من هذه المناسبة فرصة لعلاج أمراض النفوس , وهواجس القلوب , والتسلل إلى مواطن الضعف والانحراف لكشفها تمهيدا لعلاجها والطب لها . ثم لإقرار الحقائق الباقية والقيم الثابتة , وقواعد الشعور والتصور والسلوك .
فالمخلفون من الأعراب - وكانوا من أعراب غفار ومزينة وأشجع وأسلم وغيرهم ممن حول المدينة - سيقولون اعتذارا عن تخلفهم: (شغلتنا أموالنا وأهلونا). . وليس هذا بعذر . فللناس دائما أهل وأموال . ولو كان مثل هذا يجوز أن يشغلهم عن تكاليف العقيدة , وعن الوفاء بحقها ما نهض أحد قط بها . . وسيقولون (فاستغفر لنا). . وهم ليسوا صادقين في طلب الاستغفار كما ينبيء الله رسوله [ ص ]: (يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم). .
هنا يرد عليهم بتقرير حقيقة القدر الذي لا يدفعه تخلف , ولا يغيره إقدام ; وبحقيقة القدرة التي تحيط بالناس وتتصرف في أقدارهم كما تشاء . وبحقيقة العلم الكامل الذي يصرف الله قدره على وفقه:
(قل:فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا ? بل كان الله بما تعملون خبيرا). .