فلا يعييه من أمرهم شيء , ولا يخفى عليه من أمرهم شيء , وله جنود السماوات والأرض , وهو العزيز الحكيم . الدرس الثالث:8-10 مهمة الرسول ومستشاريه المياميين الصادقين
ثم عاد بالخطاب إلى رسول الله [ ص ] منوها بوظيفته , مبينا للغاية منها , موجها المؤمنين إلى واجبهم مع ربهم بعد تبليغهم رسالته , مع ردهم في بيعتهم إلى الله مباشرة , وعقد العقدة معه جل جلاله , وذلك حين يبايعون الرسول [ ص ] ويتعاقدون معه . وفي ذلك تشريف لبيعة الرسول وتكريم واضح لهذا التعاقد:
(إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا , لتؤمنوا بالله ورسوله , وتعزروه وتوقروه , وتسبحوه بكرة وأصيلا . إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله , يد الله فوق أيديهم , فمن نكث فإنما ينكث على نفسه , ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما). .
فالرسول [ ص ] شاهد على هذه البشرية التي أرسل إليها , يشهد أنه بلغها ما أمر به , وأنها استقبلته بما استقبلته , وأنه كان منها المؤمنون , ومنها الكافرون , ومنها المنافقون . وكان منها المصلحون ومنها المفسدون . فيؤدي الشهادة كما أدى الرسالة . وهو مبشر بالخير والمغفرة والرضى وحسن الجزاء للمؤمنين الطائعين , ونذير بسوء المنقلب والغضب واللعنة والعقاب للكافرين والمنافقين والعصاة والمفسدين . .
هذه وظيفة الرسول . ثم يلتفت بالخطاب إلى المؤمنين , يكشف لهم عن الغاية المرجوة لهم من الرسالة . إنها الإيمان بالله ورسوله , ثم النهوض بتكاليف الإيمان , فينصرون الله بنصرة منهجه وشريعته , ويوقرونه في نفوسهم بالشعور بجلاله ; وينزهونه بالتسبيح والتحميد طرفي النهار في البكور والأصيل , وهي كناية عن اليوم كله , لأن طرفي النهار يضمان ما بينهما من آونة . والغرض هو اتصال القلب بالله في كل آن . فهذه هي ثمرة الإيمان المرجوة للمؤمنين من إرسال الرسول شاهدا ومبشرا ونذيرا .
وقد جاء [ ص ] ليصلهم بالله , ويعقد بينهم وبينه بيعة ماضية لا تنقطع بغيبة رسول الله [ ص ] عنهم . فهو حين يضع يده في أيديهم مبايعا , فإنما يبايع عن الله: (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله . يد الله فوق أيديهم). . وهو تصوير رهيب جليل للبيعة بينهم وبين رسول الله [ ص ] والواحد منهم يشعر وهو يضع يده في يده , أن يد الله فوق أيديهم . فالله حاضر البيعة . والله صاحبها . والله آخذها . ويده فوق أيدي المتبايعين . . ومن ? الله ! يا للهول ! ويا للروعة ! ويا للجلال !
وإن هذه الصورة لتستأصل من النفس خاطر النكث بهذه البيعة - مهما غاب شخص رسول الله [ ص ] فالله حاضر لا يغيب . والله آخذ في هذه البيعة ومعط , وهو عليها رقيب .
(فمن نكث فإنما ينكث على نفسه). .
فهو الخاسر في كل جانب . هو الخاسر في الرجاع عن الصفقة الرابحة بينه وبين الله تعالى . وما من بيعة بين الله وعبد من عباده إلا والعبد فيها هو الرابح من فضل الله , والله هو الغني عن العالمين . وهو الخاسر حين ينكث وينقض عهده مع الله فيتعرض لغضبه وعقابه على النكث الذي يكرهه ويمقته , فالله يحب الوفاء ويحب الأوفياء .
(ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما). .
هكذا على إطلاقه: أجرا عظيما . . لا يفصله ولا يحدده . فهو الأجر الذي يقول عنه الله إنه عظيم .