|
في ظلال القرآن
الكريم
الفرقان من الاية 1 الى الاية 3 تَبَارَكَ الَّذöي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدöهö لöيَكُونَ لöلْعَالَمöينَ نَذöيراً (1) الَّذöي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتö وَالْأَرْضö وَلَمْ يَتَّخöذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرöيكñ فöي الْمُلْكö وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدöيراً (2) وَاتَّخَذُوا مöن دُونöهö آلöهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلöكُونَ لöأَنفُسöهöمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعاً وَلَا يَمْلöكُونَ مَوْتاً وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُوراً (3)
مقدمة سورة الفرقان هذه السورة المكية تبدو كلها وكأنها إيناس لرسول الله [ ص ] وتسرية , وتطمين له وتقوية وهو يواجه مشركي قريش , وعنادهم له , وتطاولهم عليه , وتعنتهم معه , وجدالهم بالباطل , ووقوفهم في وجه الهدي وصدهم عنه . فهي في لمحة منها تصور الإيناس اللطيف الذي يحيط به الله عبده ورسوله ; وكأنما يمسح على آلامه ومتاعبه مسحا رفيقا ; ويهدهد قلبه , ويفيض عليه من الثقة والطمأنينة , وينسم عليه من أنسام الرعاية واللطف والمودة . وهي في اللمحة الأخرى تصور المعركة العنيفة مع البشرية الضالة الجاحدة المشاقة لله ورسوله , وهي تجادل في عنف , وتشرد في جموح , وتتطاول في قحة , وتتعنت في عناد , وتجنح عن الهدى الواضح الناطق المبين . إنها البشرية التي تقول عن هذا القرآن العظيم: (إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون). . أو تقول: (أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا)والتي تقول عن محمد رسول الله الكريم: (إن تتبعون إلا رجلا مسحورا). . أو تقول في استهزاء: (أهذا الذي بعث الله رسولا ?). . والتي لا تكتفي بهذا الضلال , فإذا هي تتطاول في فجور على ربها الكبير:(وإذا قيل لهم:اسجدوا للرحمن قالوا:وما الرحمن ? أنسجد لما تأمرنا ? وزادهم نفورا). أو تتعنت فتقول: لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا ? . وهي هي من قديم كما يرسمها سياق السورة من عهد نوح إلى موقفها هذا الأخير مع رسولها الأخير . . لقد اعترض القوم على بشرية الرسول [ ص ] فقالوا: (ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ? لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا !). واعترضوا على حظه من المال , فقالوا: (أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها). واعترضوا على طريقة تنزيل القرآن فقالوا: (لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة !). وذلك فوق التكذيب والاستهزاء والقحة والافتراء الأثيم . ووقف الرسول [ ص ] يواجه هذا كله , وهو وحيد فريد مجرد من الجاه والمال , ملتزم حده مع ربه لا يقترح عليه شيئا , ولا يزيد على أن يتوجه إليه مبتغيا رضاه , ولا يحفل بشيء سواه:" رب إلا يكن بك علي غضب فلا أبالي . لك العتبى حتى ترضى " . . فهنا في هذه السورة يؤويه ربه إلى كنفه , ويمسح على آلامه ومتاعبه , ويهدهده ويسري عنه , ويهون عليه مشقة ما يلقى من عنت القوم وسوء أدبهم وتطاولهم عليه , بأنهم يتطاولون على خالقهم ورازقهم , وخالق هذا الكون كله ومقدره ومدبره . . فلا عليه أن ينالوه بشيء من ذاك ! (ويعبدون من دون الله مالا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ظهيرا). .(واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون , ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا). . (وإذا قيل لهم:اسجدوا للرحمن قالوا:وما الرحمن ?). . ويعزيه عن استهزائهم به بتصوير المستوى الهابط الذي يتمرغون فيه:(أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا ? أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون ? إن هم إلا كالأنعام , بل هم أضل سبيلا !). ويعده العون والمساعدة في معركة الجدل والمحاجة:(ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا). . وفي نهاية المعركة كلها يعرض عليه مصارع المكذبين من قبل:قوم موسى ونوح وعاد وثمود وأصحاب الرس وما بين ذلك من قرون . ويعرض عليه نهايتهم التعيسة في سلسلة من مشاهد القيامة:(الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا وأضل سبيلا). . (بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا . إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا . وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا . لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا ادعوا ثبورا كثيرا) (ويوم يعض الظالم على يديه يقول:يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا . يا ويلتا ! ليتني لم أتخذ فلانا خليلا). . ويسليه بأن مثله مثل الرسل كلهم قبله: (وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق). .(وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين . وكفى بربك هاديا ونصيرا). ويكلفه أن يصبر ويصابر , ويجاهد الكافرين بما معه من قرآن , واضح الحجة قوي البرهان عميق الأثر في الوجدان:(فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا). . ويغريه على مشاق الجهاد بالتوكل على مولاه (وتوكل علي الحي الذي لا يموت وسبح بحمده , وكفى به بذنوب عباده خبيرا . . وهكذا تمضي السورة:في لمحة منها إيناس وتسرية وعطف وإيواء من الله لرسوله . وفي لمحة منها مشاقة وعنت من المشركين لرسول الله [ ص ] وتتبير ونكال من الله الكبير المتعال . حتى تقرب من نهايتها , فإذا ريح رخاء وروح وريحان , وطمأنينة وسلام . . وإذا صورة (عباد الرحمن). . (الذين يمشون على الأرض هونا , وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما . . .)وكأنما تتمخض عنهم معركة الجهاد الشاقة مع البشرية الجاحدة الضالة المعاندة المشاقة ; وكأنما هم الثمرة الحلوة الجنية الممثلة للخير الكامن في شجرة البشرية ذات الأشواك . وتختم السورة بتصوير هوآن البشرية على الله , لولا تلك القلوب المؤمنة التي تلتجىء إليه وتدعوه:(قل:ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم . فقد كذبتم فسوف يكون لزاما). . هذه هي ظلال السورة ; وذلك هو محورها الذي تدور عليه , وموضوعها الذي تعالجه . وهي وحدة متصلة , يصعب فصل بعضها عن بعض . ولكن يمكن تقسيمها إلى أربعة أشواط في علاج هذا الموضوع . يبدأ الشوط الأول منها بتسبيح الله وحمده على تنزيل هذا القرآن على عبده ليكون للعالمين نذيرا . وبتوحيد الله المالك لما في السماوات والأرض , المدبر للكون بحكمة وتقدير , ونفي الولد والشريك . ثم يذكر اتخاذ المشركين مع ذلك آلهة من دونه لا يخلقون شيئا وهم يخلقون . . كل أولئك قبل أن يحكي مقولاتهم المؤذية عن الرسول [ ص ] من تكذيبه فيما جاءهم به , وادعائهم أنه إفك افتراه , وأنه أساطير الأولين اكتتبها . وقبل أن يحكي اعتراضاتهم على بشرية الرسول وحاجته للطعام والمشي في الأسواق , واقتراحاتهم أن ينزل عليه ملك أو يلقى إليه كنز , أو تكون له جنة يأكل منها . وقحتهم في وصفه [ ص ] بأنه رجل مسحور . . وكأنما يسبق بمقولاتهم الجاحده لربهم كي يهون على نفس الرسول [ ص ] مقولاتهم عنه وعن رسالته . . ومن ثم يعلن ضلالهم وتكذيبهم بالساعة , ويتوعدهم بما أعده الله لهم من سعير , يلقون فيها مكانا ضيقا مقرنين . ويعرض في الصفحة المقابلة صورة المؤمنين في الجنة . (لهم فيها ما يشاءون خالدين). . ويستمر في عرض مشهدهم يوم الحشر , ومواجهتهم بما كانوا يعبدون من دون الله , وتكذيب هؤلاء لهم فيما كانوا يدعون على الله من شرك . . وينتهي هذا الشوط بتسلية الرسول [ ص ] بأن الرسل جميعا كانوا بشرا مثله , يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق . ويبدأ الشوط الثاني بتطاول المكذبين بلقاء الله على الله , وقولهم: (لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا). ويعاجلهم بمشهد اليوم الذي يرون فيه الملائكة . . (وكان يوما على الكافرين عسيرا). .(ويوم يعض الظالم على يديه يقول:يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا). . ليكون في ذلك تأسية للرسول [ ص ] وهم يهجرون القرآن , وهو يشكو لربه هذا الهجران . وهم يعترضون على طريقة تنزيله ويقولون (لو لا نزل عليه القرآن جملة واحدة). ويعقب على هذا الاعتراض بمشهدهم يوم القيامة يحشرون على وجوههم , وهم المكذبون بيوم القيامة , وبتصوير عاقبة المكذبين قبلهم من قوم موسى وقوم نوح , وعاد وثمود وأصحاب الرس والقرون الكثيرة بين ذلك , ويعجب من أمرهم وهم يمرون على قرية لوط المدمرة ولا يعتبرون . فيهون بذلك كله من وقع تطاولهم على الرسول [ ص ] وقولهم: (أهذا الذي بعث الله رسولا ?)ثم يعقب على هذا الاستهزاء بتحقيرهم ووضعهم في صف الأنعام بل دون ذلك: (إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا). والشوط الثالث جولة في مشاهد الكون تبدأ بمشهد الظل , وتستطرد إلى تعاقب الليل والنهار , والرياح المبشرة بالماء المحيي , وخلقة البشر من الماء . ومع هذا فهم يعبدون من دون الله ما لاينفعهم ولا يضرهم , ويتظاهرون على ربهم وخالقهم , ويتطاولون في قحة إذا دعوا إلى عبادة الله الحق . . (وإذا قيل لهم:اسجدوا للرحمن قالوا:وما الرحمن ?). . وهو الذي(جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا . وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا). . ولكنهم هم لا يتذكرون ولا يشكرون . . ثم يجيء الشوط الأخير يصور (عباد الرحمن)الذين يسجدون له ويعبدونه , ويسجل مقوماتهم التي استحقوا بها هذه الصفة الرفيعة . ويفتح باب التوبة لمن يرغب في أن يسلك طريقة عباد الرحمن . ويصور جزاءهم على صبرهم على تكاليف الإيمان والعبادة:(أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما). وتختم السورة بتقرير هوان البشرية على الله لولا هذه القلوب الطائعة المستجيبة العارفة بالله في هذا القطيع الشارد الضال من المكذبين والجاحدين . . وفي هذا الهوان تهوين لما يلقاه منهم رسول الله [ ص ] فهو يتفق مع ظل السورة وجوها , ويتفق مع موضوعها وأهدافها , على طريقة التناسق الفني في القرآن . الدرس الأول:1 - 3 إثبات النبوة والوحي والوحدانية والآن نبدأ الشوط الأول بالتفصيل: تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا . الذي له ملك السماوات والأرض , ولم يتخذ ولدا , ولم يكن له شريك في الملك , وخلق كل شيء فقدره تقديرا . واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون , ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا , ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا . . إنه البدء الموحي بموضوع السورة الرئيسى:تنزيل القرآن من عند الله , وعموم الرسالة إلى البشر جميعا . ووحدانية الله المطلقة , تنزيهه عن الولد والشريك , وملكيته لهذا الكون كله , وتدبيره بحكمة وتقدير . . وبعد ذلك كله يشرك المشركون , ويفتري المفترون , ويجادل المجادلون , ويتطاول المتطاولون ! (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا). . والتبارك تفاعل من البركة , يوحي بالزيادة فيها والفيض والرفعة جميعا . ولم يذكر لفظ الجلالة واكتفى بالاسم الموصول (الذي نزل الفرقان)لإبراز صلته وإظهارها في هذا المقام , لأن موضوع الجدل في السورة هو صدق الرسالة وتنزيل القرآن . وسماه الفرقان . بما فيه من فارق بين الحق والباطل , والهدي والضلال . بل بما فيه من تفرقة بين نهج في الحياة ونهج , وبين عهد للبشرية وعهد . فالقرآن يرسم منهجا واضحا للحياة كلها في صورتها المستقرة في الضمير , وصورتها الممثلة في الواقع . منهجا لا يختلط بأي منهج آخر مما عرفته البشرية قبله . ويمثل عهدا جديدا للبشرية في مشاعرها وفي واقعها لا يختلط كذلك بكل ما كان قبله . فهو فرقان بهذا المعنى الواسع الكبير . فرقان ينتهي به عهد الطفولة ويبدأ به عهد الرشد . وينتهي به عهد الخوارق المادية ويبدأ به عهد المعجزات العقلية . وينتهي به عهد الرسالات المحلية الموقوتة ويبدأ به عهد الرسالة العامة الشاملة: (ليكون للعالمين نذيرا). وفي موضع التكريم لرسول الله [ ص ] وفي مقام التعظيم يصفه بالعبودية: على عبده . . كذلك وصفه في مقام الإسراء والمعراج في سورة الإسراء: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى). وكذلك وصفه في مقام دعائه ومناجاته في سورة الجن: (وأنه لما قام عبد الله يدعوه . . .)وكذلك يصفه هنا في مقام تنزيل الفرقان عليه كما وصفه في مثل هذا المقام في مطلع سورة الكهف: (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا . . .)والوصف بالعبودية في هذه المواضع له دلالته على رفعة هذا المقام , وأنه أرفع ما يرتفع إليه بشر من بني الإنسان . كما أن فيه تذكيرا خفيا بأن مقام البشرية حين يبلغ مداه لا يزيد على أن يكون مقام العبودية لله . ويبقى مقام الألوهية متفردا بالجلالة , متجردا من كل شبهة شرك أو مشابهة . ذلك أن مثل مقام الإسراء والمعراج , أو مقام الدعاء والمناجاة , أو مقام الوحي والتلقي , كان مزلة لبعض أتباع الرسل من قبل , منها نشأت أساطير البنوة لله , أو الصلة القائمة على غير الألوهية والعبودية . ومن ثم يحرص القرآن على توكيد صفة العبودية في هذه المقام , بوصفها أعلى أفق يرتفع إليه المختارون من بني الإنسان . ويرسم الغاية من تنزيل الفرقان على عبده . . (ليكون للعالمين نذيرا). . وهذا النص مكي , وله دلالته على إثبات عالمية هذه الرسالة منذ أيامها الأولى . لا كما يدعي بعض ; المؤرخين غير المسلمين , أن الدعوة الإسلامية نشأت محلية , ثم طمحت بعد اتساع رقعة الفتوح أن تكون عالمية . فهي منذ نشأتها رسالة للعالمين . طبيعتها طبيعة عالمية شاملة , ووسائلها وسائل إنسانية كاملة ; وغايتها نقل هذه البشرية كلها من عهد إلى عهد , ومن نهج إلى نهج . عن طريق هذا الفرقان الذي نزله الله على عبده ليكون للعالمين نذيرا , فهي عالمية للعالمين والرسول يواجه في مكة بالتكذيب والمقاومة والجحود . . تبارك الذي نزل الفرقان على عبده . .(الذي له ملك السماوات والأرض . ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا). . ومرة أخرى لا يذكر لفظ الجلالة ولكن يذكر الاسم الموصول لإبراز صلته الدالة على صفات يراد توكيدها في هذا المقام: (الذي له ملك السماوات والأرض). . فله السيطرة المطلقة على السماوات والأرض . سيطرة الملكية والاستعلاء , وسيطرة التصريف والتدبير , وسيطرة التبديل والتغيير . (ولم يتخذ ولدا). . فالتناسل ناموس من النواميس التي خلقها الله لامتداد الحياة ; وهو سبحانه باق لا يفنى , قادر لا يحتاج . (ولم يكن له شريك في الملك). . وكل ما في السماوات والأرض شاهد على وحدة التصميم , ووحدة الناموس , ووحدة التصريف . (وخلق كل شيء فقدره تقديرا). قدر حجمه وشكله . وقدر وظيفته وعمله . وقدر زمانه ومكانه . وقدر تناسقه مع غيره من أفراد هذا الوجود الكبير . وإن تركيب هذا الكون وتركيب كل شيء فيه , لمما يدعو إلى الدهشة حقا , وينفي فكرة المصادفة نفيا باتا . ويظهر التقدير الدقيق الذي يعجز البشر عن تتبع مظاهره , في جانب واحد من جوانب هذا الكون الكبير . وكلما تقدم العلم البشري فكشف عن بعض جوانب التناسق العجيب في قوانين الكون ونسبه ومفرداته اتسع تصور البشر لمعنى ذلك النص القرآني الهائل: (وخلق كل شيء فقدره تقديرا). . يقول [ أ . كريسي موريسون ] رئيس أكاديمية العلوم بنيويورك في كتابه بعنوان:"الإنسان لا يقوم وحده" . "ومما يدعو إلى الدهشة أن يكون تنظيم الطبيعة على هذا الشكل , بالغا هذه الدقة الفائقة . لأنه لو كانت قشرة الأرض أسمك مما هي بمقدار بضعة أقدام , لامتص ثاني أكسيد الكربون الأوكسجين , ولما أمكن وجود حياة النبات . " ولو كان الهواء أرفع كثيرا مما هو فإن بعض الشهب التي تحترق الآن بالملايين في الهواء الخارجي كانت تضرب جميع أجزاء الكرة الأرضية , وهي تسير بسرعة تترواح بين ستة أميال وأربعين ميلا في الثانية . وكان في إمكانها أن تشعل كل شيء قابل للاحتراق . ولو كانت تسير ببطء رصاصة البندقية لارتطمت كلها بالأرض , ولكانت العاقبة مروعة . أما الإنسان فإن اصطدامه بشهاب ضئيل يسير بسرعة تفوق سرعة الرصاصة تسعين مرة كان يمزقه إربا من مجرد حرارة مروره ! " إن الهواء سميك بالقدر اللازم بالضبط لمرور الأشعة ذات التأثير الكيميائي التي يحتاج إليها الزرع , والتي تقتل الجراثيم وتنتج الفيتامينات , دون أن تضر بالإنسان , إلا إذا عرض نفسه لها مدة أطول من اللازم , وعلى الرغم من الانبعاثات الغازية من الأرض طول الدهور - ومعظهما سام - فإن الهواء باق دون تلويث في الواقع , ودون تغير في نسبته المتوازنة اللازمة لوجود الإنسان . وعجلة الموازنة العظيمة هي تلك الكتلة الفسيحة من الماء - أي المحيط - الذي استمدت منه الحياة والغذاء والمطر والمناخ المعتدل , والنباتات . وأخيرا الإنسان نفسه . . . " . ويقول في فصل آخر: " لو كان الأوكسجين بنسبة 50 في المائة مثلا أو أكثر في الهواء بدلا من 21 في المائة فإن جميع المواد القابلة للاحتراق في العالم تصبح عرضة للاشتعال , لدرجة أن أول شرارة من البرق تصيب شجرة لا بد أن تلهب الغابة حتى لتكاد تنفجر . ولو أن نسبة الأوكسجين في الهواء قد هبطت إلى 10 في المائة أو أقل , فإن الحياة ربما طابقت نفسها عليها في خلال الدهور . ولكن في هذه الحالة كان القليل من عناصر المدنية التي ألفها الإنسان - كالنار مثلا - تتوافر له" . ويقول في فصل ثالث . " ما أعجب نظام الضوابط والموازنات الذي منع أي حيوان - مهما يكن من وحشيته أو ضخامته أو مكره - من السيطرة على العالم , منذ عصر الحيوانات القشرية المتجمدة ! غير أن الإنسان وحده قد قلب هذا التوازن الذي للطبيعة بنقله النباتات والحيوانات من مكان إلى آخر . وسرعان ما لقي جزاءه القاسي على ذلك , ماثلا في تطور آفات الحيوان والحشرات والنبات . " والواقعة الآتية فيها مثل بارز على أهمية تلك الضوابط فيما يتعلق بوجود الإنسان . فمنذ سنوات عديدة زرع نوع من الصبار في استراليا . كسياج وقائي . ولكن هذا الزرع مضى في سبيله حتى غطى مساحة تقرب من مساحة انجلترا , وزاحم أهل المدن والقرى , وأتلف مزارعهم , وحال دون الزراعة . ولم يجد الأهالي وسيلة تصده عن الانتشار ; وصارت أستراليا في خطر من اكتساحها بجيش من الزرع صامت , يتقدم في سبيله دون عائق ! " وطاف علماء الحشرات بنواحي العالم حتى وجدوا أخيرا حشرة لا تعيش إلا على ذلك الصبار , ولا تتغذى بغيره , وهي سريعة الانتشار , وليس لها عدو يعوقها في استراليا . وما لبثت هذه الحشرة حتى تغلبت على الصبار . ثم تراجعت , ولم يبق منها سوى بقية قليلة للوقاية , تكفي لصد الصبار عن الانتشار إلى الأبد . "وهكذا توافرت الضوابط والموازين , وكانت دائما مجدية . " ولماذا لم تسيطر بعوضة الملاريا على العالم إلى درجة كان أجدادنا يموتون معها , أو يكسبون مناعة منها ? ومثل ذلك أيضا يمكن أن يقال عن بعوضة الحمى الصفراء التي تقدمت شمالا في أحد الفصول حتى وصلت إلى نيويورك . كذلك البعوض كثير في المنطقة المتجمدة . ولماذا لم تتطور ذبابة تسي تسي حتى تستطيع أن تعيش أيضا في غير مناطقها الحارة , وتمحو الجنس البشري من الوجود ? يكفي أن يذكر الإنسان الطاعون والأوبئة والجراثيم الفاتكة التي لم يكن له وقاء منها حتى الأمس القريب , وأن يذكر كذلك ما كان له من جهل تام بقواعد الوقاية الصحية , ليعلم أن بقاء الجنس البشري رغم ذلك يدعو حقا إلى الدهشة ! . . . " إن الحشرات ليست لها رئتان كما للإنسان ; ولكنها تتنفس عن طريق أنابيب . وحين تنمو الحشرات وتكبر , لا تقدر تلك الأنابيب أن تجاريها في نسبة تزايد حجمها . ومن ثم لم توجد قط حشرة أطول من بضع بوصات , ولم يطل جناح حشرة إلا قليلا . وبفضل جهاز تكوين الحشرات وطريقة تنفسها لم يكن في الإمكان وجود حشرة ضخمة . وهذا الحد من نمو الحشرات قد كبح جماحها كلها , ومنعها من السيطرة على العالم . ولولا وجود هذا الضابط الطبيعي لما أمكن وجود الإنسان على ظهر الأرض . وتصور إنسانا فطريا يلاقي دبورا يضاهي الأسد في ضخامته , أو عنكبوتا في مثل هذا الحجم ! " ولم يذكر إلا القليل عن التنظيمات الأخرى المدهشة في فيزيولوجيا الحيوانات , والتي بدونها ما كان أي حيوان - بل كذلك أي نبات - يمكن أن يبقى في الوجود . . . الخ" . وهكذا ينكشف للعلم البشري يوما بعد يوم , شيء من تقدير الله العجيب في الخلق , وتدبيره الدقيق في الكون , ويدرك البشر شيئا من مدلولات قوله في الفرقان الذي نزله على عبده: (وخلق كل شيء فقدره تقديرا). . ومع هذا فإن أولئك المشركين لم يدركوا شيئا من هذا كله . واتخذوا من دونه آلهة , لا يخلقون شيئا وهم يخلقون , ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا , ولا يملكون موتا ولاحياة ولا نشورا . . وهكذا يجرد آلهتهم المدعاة من كل خصائص الألوهية فهم (لا يخلقون شيئا)والله خلق كل شيء . (وهم يخلقون). . يخلقهم عبادهم - بمعنى يصنعونهم - إن كانوا أصناما وأوثانا - ويخلقهم الله - بمعنى يوجدهم - إن كانوا ملائكة أو جنا أو بشرا أو شجرا أو حجرا . . (ولا يملكون لأنفسهم)فضلا عن أن يملكوا لعبادهم (ضرا ولا نفعا)والذي لا يملك لنفسه النفع قد يسهل عليه الضر . ولكن حتى هذا لا يملكونه . ومن ثم يقدمه في التعبير بوصفه أيسر شيء كان يملكه أحد لنفسه ! ثم يرتقي إلى الخصائص التي لا يقدر عليها إلا الله: (ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا)فلا إماتة حي , ولا إنشاء حياة , ولا إعادتها داخل في مقدورهم . فماذا لهم بعد ذلك من خصائص الألوهية , وما شبهة أولئك المشركين في اتخاذهم آلهة ?! ألا إنه الانحراف المطلق , الذي لا يستغرب معه أن يدعوا على الرسول بعد ذلك ما يدعون , فدعواهم على الله أضخم وأقبح من كل ما يدعون على رسوله . وهل أقبح من ادعاء إنسان على الله وهو خالقه وخالق كل شيء , ومدبر أمره ومقدر كل شيء . هل أقبح من ادعاء إنسان أن لله شريكا ? وقد سئل رسول الله التالي
|