وكلتا السورتين تعالجان موضوعا متقاربا , في جو متقارب هنا وهناك . . وقولتهم تلك يقصدون بها الإساءة إلى شخص رسول الله [ ص ] والتنقص منه . إذ يمثلونه برجل سحر عقله , فهو يقول كلاما غريبا لا يقوله الطبيعيون من الناس ! ولكنها في الوقت ذاته تشي بشعورهم الداخلي بأن ما يقوله غير طبيعي . ولا مألوف , ولا هو من عادة البشر ولا من مستوى البشر . . والرد عليهم يوحي بالتعجيب من أمرهم: (انظر كيف ضربوا لك الأمثال)وشبهوك بالمسحورين مرة , واتهموك بالتزوير مرة , ومثلوك برواة الأساطير مرة . . وكله ضلال , وبعد عن إدراك الحق(فضلوا)ضلوا عن كل طريق للحق , وكل سبيل للهدي (فلا يستطيعون سبيلا).
وينهي هذا الجدل ببيان تفاهة ما يقترحون وما يتصورون من أعراض الحياة الدنيا , التي يحسبونها ذات قيمة , ويرونها أجدر أن يعطيها الله لرسوله إن كان حقا رسولا , من كنز يلقى إليه , أو جنة يأكل منها . فلو شاء الله لأعطاه أكبر مما يقترحون من هذا المتا ع:
(تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك:جنات تجري من تحتها الأنهار , ويجعل لك قصورا).
ولكنه شاء أن يجعل له خيرا من الجنات والقصور . الاتصال بواهب الجنات والقصور . و الشعور برعايته وحياطته , وتوجيهه وتوفيقه . . وتذوق حلاوة ذلك الاتصال , الذي لا تقاربه نعمة من النعم , ولا متاع صغر أو عظم . وشتان شتان لو كانوا يدركون أو يتذوقون !
الدرس الرابع:11 - 19 لقطات الخزي وعذاب الكفار يوم القيامة
وعند هذا الحد من استعراض مقولاتهم الظالمة عن الله وعلى رسول الله , يكشف عن مدى آخر من آماد كفرهم وضلالهم . فهم يكذبون بالساعة , ومن ثم لا يتحرجون من ظلم ولا افتراء , ولا يخشون يوما يلقون فيه الله فيحاسبهم على الظلم والافتراء . وهنا يصورهم في مشهد من مشاهد القيامة يزلزل القلوب الصلدة ويهز المشاعر الخامدة , ويطلعهم على هول ما ينتظرهم هناك ; وعلى حسن ما ينتظر المؤمنين في ذلك الهول العظيم:
(بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا , إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا , وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا . لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا)!
قل:أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا , لهم فيها ما يشاءون خالدين , كان على ربك وعدا مسؤلا ? . .
بل كذبوا بالساعة . . وبلغوا هذا المدى من الكفر والضلال . هذا المدى الذي يصوره التعبير بعيدا متطاولا , يضرب عن كل ما قبله ليبرزه ويجسمه: (بل كذبوا بالساعة). . . ثم يكشف عن الهول الذي ينتظر أصحاب هذه الفعلة الشنيعة . إنها السعير حاضرة مهيأة: (وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا). .
والتشخيص - ونعني به خلع الحياة وتجسيمها على ما ليس من شأنه الحياة المجسمة من الأشياء والمعاني والحالات النفسية - فن في القرآن , يرتفع بالصور وبالمشاهد التي يعرضها إلى حد الإعجاز , بما يبث فيها من عنصر الحياة .
ونحن هنا أمام مشهد السعير المتسعرة , وقد دبت فيها الحياة ! فإذا هي تنظر فترى أولئك المكذبين بالساعة .