وقد علمتهم التجارب والابتلاءات كيف يسيرون بدعوتهم بين الأشواك والصخور . وقد حفزت الشدائد والمخاوف كل طاقاتهم ومقدراتهم , فنما رصيدهم من القوة وذخيرتهم من المعرفة . فيكون هذا كله رصيدا للدعوة التي يحملون رايتها على السراء والضراء . والذي يقع غالبا أن كثرة الناس تقف متفرجة على الصراع بين المجرمين وأصحاب الدعوات ; حتى إذا تضخم رصيد التضحيات والآلام في صف أصحاب الدعوات , وهم ثابتون على دعوتهم , ماضون في طريقهم , قالت الكثرة المتفرجة أو شعرت أنه لا يمسك أصحاب الدعوة على دعوتهم على الرغم من التضحيات والآلام , إلا أن في هذه الدعوة ما هو أغلى مما يضحون به وأثمن . . وعندئذ تتقدم الكثرة المتفرجة لترى ما هو هذا العنصر الغالي الثمين الذي يرجح كل أعراض الحياة , ويرجح الحياة ذاتها عند أصحاب الدعوة . وعندئذ يدخل المتفرجون أفواجا في هذه العقيدة بعد طول التفرج بالصراع !
من أجل هذا كله جعل الله لكل نبي عدوا من المجرمين ; وجعل المجرمين يقفون في وجه دعوة الحق , وحملة الدعوة يكافحون المجرمين , فيصيبهم ما يصيبهم وهم ماضون في الطريق , والنهاية مقدرة من قبل , ومعروفة لا يخطئها الواثقون بالله . إنها الهداية إلى الحق , والانتهاء إلى النصر: (وكفى بربك هاديا ونصيرا).
وبروز المجرمين في طريق الأنبياء أمر طبيعي . فدعوة الحق إنما تجيء في أوانها لعلاج فساد واقع في الجماعة أو في البشرية . فساد في القلوب , وفساد في النظم , وفساد في الأوضاع . ووراء هذا الفساد يكمن المجرمون , الذين ينشئون الفساد من ناحية , ويستغلونه من ناحية . والذين تتفق مشاربهم مع هذا الفساد , وتتنفس شهواتهم في جوه الوبيء . والذين يجدون فيه سندا للقيم الزائفة التي يستندون هم في وجودهم إليها . . فطبيعي إذن أن يبرزوا للأنبياء وللدعوات دفاعا عن وجودهم , واستبقاء للجو الذي يملكون أن يتنفسوا فيه . وبعض الحشرات يختنق برائحة الأزهار العبقة , ولا يستطيع الحياة إلا في المقاذر , وبعض الديدان يموت في الماء الطاهر الجاري , ولا يستطيع الحياة إلا في المستنقع الآسن . وكذلك المجرمون . . فطبيعي إذن أن يكونوا أعداء لدعوة الحق , يستميتون في كفاحها . وطبيعي أن تنتصر دعوة الحق في النهاية , لأنها تسير مع خط الحياة , وتتجه إلى الأفق الكريم الوضيء الذي تتصل فيه بالله , والذي تبلغ عنده الكمال المقدر لها كما أراد الله . . (وكفى بربك هاديا ونصيرا). .
ثم يمضي في استعراض مقولات المجرمين الذين يقفون في وجه دعوة القرآن , والرد عليها:
(وقال الذين كفروا:لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة . كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا). .
ولقد جاء هذا القرآن ليربي أمة , وينشئ مجتمعا , ويقيم نظاما . والتربية تحتاج إلى زمن وإلى تأثر وانفعال بالكلمة , وإلى حركة تترجم التأثر والانفعال إلى واقع . والنفس البشرية لا تتحول تحولا كاملا شاملا بين يوم وليلة بقراءة كتاب كامل شامل للمنهج الجديد . إنما تتأثر يوما بعد يوم بطرف من هذا المنهج ; وتتدرج في مراقيه رويدا رويدا , وتعتاد على حمل تكاليفه شيئا فشيئا , فلا تجفل منه كما تجفل لو قدم لها ضخما ثقيلا عسيرا . وهي تنمو في كل يوم بالوجبة المغذية فتصبح في اليوم التالي أكثر استعدادا للانتفاع بالوجبة التالية , وأشد قابلية لها والتذاذا بها .
ولقد جاء القرآن بمنهاج كامل شامل للحياة كلها . وجاء في الوقت ذاته بمنهاج للتربية يوافق الفطرة البشرية عن علم بها من خالقها . فجاء لذلك منجما وفق الحاجات الحية للجماعة المسلمة , وهي في طريق نشأتها ونموها , ووفق استعدادها الذي ينمو يوما بعد يوم في ظل المنهج التربوي الإلهي الدقيق . جاء ليكون منهج