[ ص ]:أي الذنب آكبر ? قال:" أن تجعل لله أندادا وهو خلقك . . . " الدرس الثاني:تكذيب الكفار للرسول وإنكارهم للقرآن
وبعد عرض هذا التطاول على مقام الخالق جل وعلا , يعرض تطاولهم على رسول الله [ ص ] ويرد عليه عقب عرضه بما يظهر سخفه وكذبه:
وقال الذين كفروا:إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون . فقد جاءوا ظلما وزورا . وقالوا:أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا . قل:أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض , إنه كان غفورا رحيما . .
وأكذب شيء أن يقول كفار قريش هذه المقالة , وهم يوقنون في أنفسهم أنها الفرية التي لا تقوم على أساس . فما يمكن أن يخفى على كبرائهم الذين يلقنونهم هذا القول أن القرآن الذي يتلوه عليهم محمد [ ص ] شيء آخر غير كلام البشر ; وهم كانوا يحسون هذا بذوقهم في الكلام ; وكانوا لا يملكون أنفسهم من التأثر بالقرآن . ثم هم كانوا يعلمون عن محمد قبل البعثة أنه الصادق الأمين الذي لا يكذب ولا يخون . فكيف به يكذب على الله وينسب إليه قولا لم يقله ?
ولكنه العناد والخوف على مراكزهم الاجتماعية المستمدة من سيادتهم الدينية , كان يجنح بهم إلى هذه المناورات يطلقونها في وسط جمهور العرب , الذين قد لا يميزون بين الكلام , ولا يعرفون درجته: (إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون). قيل:إنهم عبيد أعاجم ثلاثة أو أكثر , هم الذين كانوا يعنونهم بهذه المقالة . وهو كلام متهافت تافه لا يقف للجدل . فإن كان بشر يملك أن يفتري مثل هذا القرآن بمعاونة قوم آخرين , فما يمسكهم هم عن الإتيان بمثله , مستعينين بأقوام منهم , ليبطلوا حجة محمد [ ص ] وهو يتحداهم به وهم عاجزون ?!
ومن ثم لا يجادلهم هنا ولا يناقشهم في هذا القول المتهافت ; إنما يدمغهم بالوصف البارز الثابت: فقد جاؤوا ظلما وزورا . . ظلما للحق , ولمحمد , ولأنفسهم , وزورا واضح الكذب ظاهر البطلان .
ثم يمضي في استعراض مقولاتهم عن الرسول [ ص ] وعن القرآن:(وقالوا:أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا). .
ذلك لما وجدوا فيه من قصص الأولين التي يسوقها للعبرة والعظة , وللتربية والتوجيه , فقالوا عن هذا القصص الصادق: (أساطير الأولين)وزعموا أن الرسول [ ص ] طلب أن تكتب له , لتقرأ عليه في الصباح والمساء - إذ كان أميا لا يقرأ ولا يكتب - ثم يقولها هو بدوره , وينسبها إلى الله ! وهذا استطراد في دعواهم التي لا تقوم على أساس , ولا تثبت للمناقشة . وإن سياقة القصص في القرآن بهذا التنسيق في عرضه ; وبهذا التناسق بينه وبين الموضوع الذي يساق فيه , ويستشهد بالقصص عليه ; وبهذا التناسب بين أهداف القصص وأهداف السياق في السورة الواحدة . . إن هذا كله ليشهد بالقصد والتدبير العميق اللطيف الذي لا يلحظ في الأساطير المبعثرة التي لا تجمعها فكرة , ولا يوجهها قصد , إنما تساق للتسلية وتزجية الفراغ !