وثمود وأصحاب الرس , وقرونا بين ذلك كثيرا . وكلا ضربنا له الأمثال , وكلا تبرنا تتبيرا . ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء أفلم يكونوا يرونها ? بل كانوا لا يرجون نشورا). . إنها أمثلة مختصرة سريعة ترسم مصائر المكذبين:
فهذا موسى يؤتى الكتاب ويرسل معه أخوه هارون وزيرا ومعينا . ويؤمر بمواجهة (القوم الذين كذبوا بآياتنا)ذلك أن فرعون وملأه كانوا مكذبين بأيات الله - حتى قبل إرسال موسى وهارون إليهم , فآيات الله قائمة دائمة , والرسل إنما يذكرون بها الغافلين . . وقبل أن تتم الآية الثانية في السياق يرسم مصيرهم في عنف وإجمال (فدمرناهم تدميرا).
وهؤلاء قوم نوح: (لما كذبوا الرسل أغرقناهم). . وهم كذبوا نوحا وحده . ولكن نوحا إنما جاءهم بالعقيدة الواحدة التي أرسل بها الرسل جميعا . فلما كذبوه كانوا قد كذبوا الرسل جميعا .(وجعلناهم للناس آية)فإن آية الطوفان لا تنسى على الدهر , وكل من نظر فيها اعتبر إن كان له قلب يتدبر (وأعتدنا للظالمين عذابا أليما)فهو حاضر لا يحتاج إلى إعداد . و يظهر لفظ الظالمين بدل الضمير لإثبات هذا الوصف لهم وبيان سبب العذاب . وهؤلاء عاد وثمود وأصحاب الرس والقرون الكثيرة بين ذلك كلهم لاقوا ذات المصير بعد أن ضربت لهم الأمثال , فلم يتدبروا القول , ولم يتقوا البوار والدمار . .
وهذه الأمثلة كلها من قوم موسى ونوح , وعاد وثمود وأصحاب الرس والقرون الكثيرة بين ذلك , ومن القرية التي أمطرت مطر السوء - وهي قرية لوط - كلها تسير سيرة واحدة وتنتهي نهاية واحدة (وكلا ضربنا له الأمثال)للعظة والإعتبار (وكلا تبرنا تتبيرا)وكانت عاقبة التكذيب هي التحطيم والتفتيت والدمار . والسياق يستعرض هذه الأمثلة ذلك الاستعراض السريع لعرض هذه المصارع المؤثرة . وينهيها بمصرع قوم لوط وهم يمرون عليه في سدوم في رحلة الصيف إلى الشام . وقد أهلكها الله بمطر بركاني من الأبخرة والحجارة فدمرها تدميرا . ويقرر في نهايته أن قلوبهم لا تعتبر ولا تتأثر لأنهم لا ينتظرون البعث , ولا يرجون لقاء الله فذلك سبب قساوة تلك القلوب . وانطماسها . ومن هذا المعين تنبع تصرفاتهم واعتراضاتهم وسخرياتهم من القرآن ومن الرسول .
الدرس الرابع:41 - 44 استهزاء الكفار بالرسول وكونهم أضل من الأنعام
وبعد هذا الاستعراض السريع يجيء ذكر استهزائهم برسول الله [ ص ] وقد سبقه تطاولهم على ربهم , واعتراضهم على طريقة تنزيل القرآن . وسبقه كذلك مشاهدهم المفجعة في يوم الحشر , ومصارع المكذبين أمثالهم في هذه الأرض . . كل أولئك تطييبا لقلب الرسول [ ص ] قبل ذكر استهزائهم به وتوقحهم عليها . ثم يعقب عليه بتهديدهم وتحقيرهم وتنزيلهم إلى أحط من درك الحيوان .
(وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا . أهذا الذي بعث الله رسولا ? إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها , وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا . أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا ? أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون ? إن هم إلا كالأنعام , بل هم أضل سبيلا).
ولقد كان محمد [ ص ] ملء السمع والبصر بين قومه قبل بعثته . فقد كان عندهم ذا مكانة