حجته ومن القرآن الذي جاء به , فيقولون:(إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها). .
فلقد زلزل قلوبهم إذن باعترافهم حتى كادوا يتركون آلهتم وعبادتهم - على شدة حرصهم على استبقاء ديانتهم وما وراءها من مراكز ومغانم - لولا أنهم قاوموا تأثرهم به وصبروا على آلهتهم ! والصبر لا يكون إلا على المقاومة العنيفة للجاذبية العنيفة . وهم يسمون الهداية إضلالا لسوء تقديرهم للحقائق وتقويمهم للقيم . ولكنهم لا يملكون إخفاء الزلزلة التي أصابت قلوبهم من دعوة محمد [ ص ] وشخصيته والقرآن الذي معه حتى وهم يتظاهرون بالاستخفاف بشخصه ودعوته , إصرارا وعنادا . ومن ثم يعاجلهم بالتهديد المجمل الرهيب:
(وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا). .
فيعلمون إن كان ما جاءهم به هو الهدى أو أنه هو الضلال . ولكن حين لا ينفع العلم , حين يرون العذاب . سواء أكان ذلك في الدنيا كما ذاقوا يوم بدر , أم كان في الآخرة كما يذوقون يوم الحساب .
ويلتفت بالخطاب إلى رسول الله [ ص ] يعزيه عن عنادهم وجموحهم واستهزائهم , فهو لم يقصر في الدعوة , ولم يقصر في الحجة , ولم يستحق ما لاقوه به من التطاول , إنما العلة فيهم أنفسهم . فهم يجعلون من هواهم إلها يعبدونه , ولا يرجعون إلى حجة أو برهان . وماذا يملك الرسول لمن يتخذ إلهه هواه:
(أرأيت من اتخذ إلهه هواه . أفأنت تكون عليه وكيلا ?). .
وهو تعبير عجيب يرسم نموذجا عميقا لحالة نفسية بارزة , حين تنفلت النفس من كل المعايير الثابتة والمقاييس المعلومة , والموازين المضبوطة , وتخضع لهواها , وتحكم شهواتها وتتعبد ذاتها , فلا تخضع لميزان , ولا تعترف بحد , ولا تقتنع بمنطق , متى اعترض هواها الطاغي الذي جعلت منه إلها يعبد ويطاع .
والله - سبحانه - يخاطب عبده في رفق ومودة وإيناس في أمر هذا النموذج من الناس:(أرأيت ?)ويرسم له هذه الصورة الناطقة المعبرة عن ذلك النموذج الذي لا جدوى من المنطق معه , ولا وزن للحجة , ولا قيمة للحقيقة ; ليطيب خاطره من مرارة الإخفاق في هدايته . فهو غير قابل للهدى , وغير صالح لأن يتوكل الرسول بأمره , ولا أن يحفل بشأنه: (أفأنت تكون عليه وكيلا ?). .
ثم يخطو خطوة أخرى في تحقير هؤلاء الذين يتعبدون هواهم , ويحكمون شهواتهم , ويتنكرون للحجة والحقيقة , تعبدا لذواتهم وهواها وشهواتها . يخطو خطوة أخرى فيسويهم بالأنعام التي لا تسمع ولا تعقل . ثم يخطو الخطوة الأخيرة فيدحرجهم من مكانة الأنعام إلى درك أسفل و أحط:
(أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون ? إن هم إلا كالأنعام . بل هم أضل سبيلا).
وفي التعبير تحرز وإنصاف , إذ يذكر(أكثرهم)ولا يعمم , لأن قلة منهم كانت تجنح إلى الهدى , أو تقف عند الحقيقة تتدبرها . فأما الكثرة التي تتخذ من الهوى إلها مطاعا , والتي تتجاهل الدلائل وهي تطرق الأسماع والعقول , فهي كالأنعام . وما يفرق الإنسان من البهيمة إلا الاستعداد للتدبر والإدراك , والتكيف وفق ما يتدبر ويدرك من الحقائق عن بصيرة وقصد وإرادة واقتناع , ووقوف عند الحجة والاقتناع . بل إن الإنسان حين يتجرد من خصائصه هذه ليكونن أحط من البهيمة , لأن البهيمة تهتدى بما أودعها الله من استعداد , فتؤدي وظائفها أداء كاملا صحيحا . بينما يهمل الإنسان ما أودعه الله من خصائص , ولا ينتفع بها كما تنتفع البهيمة: