وفي قولهم:إنها أساطير الأولين إشارة إلى بعدها في الزمان ; فلا يعلمها محمد [ ص ] إلا أن تملى عليه من حفاظ الأساطير , الذين ينقلونها جيلا عن جيل . لذلك يرد عليهم بأن الذي يمليها على محمد أعلم من كل عليم . فهو الذي يعلم الأسرار جميعا , ولا يخفى عليه نبأ في الأولين والآخرين: (قل:أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض). . فأين علم حفاظ الأساطير ورواتها من ذلك العلم الشامل ? وأين أساطير الأولين من السر في السماوات والأرض ? وأين النقطة الصغيرة من الخضم الذي لا ساحل له ولا قرار ?
ألا إنهم ليرتكبون الخطيئة الكبيرة , وهم يدعون على رسول الله [ ص ] تلك الدعوى المتهافتة ; ومن قبل يصرون على الشرك بالله وهو خلقهم . . ولكن باب التوبة مع ذلك مفتوح , والرجوع عن الإثم ممكن , والله الذي يعلم السر في السماوات والأرض . ويعلم ما يفترون وما يكيدون , غفور رحيم: (إنه كان غفورا رحيما). .
الدرس الثالث:7 - 10 اعتراضهم على بشرية الرسول واقتراحاتهم السخيفة
ثم يستطرد في عرض مقولاتهم عن رسول الله [ ص ] واعتراضاتهم الجاهلة على بشريته , واقتراحاتهم المتعنتة على رسالته:
(وقالوا:ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ? لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا ! أو يلقى إليه كنز , أو تكون له جنة يأكل منها . وقال الظالمون:إن تتبعون إلا رجلا مسحورا . انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا . تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك:جنات تجري من تحتها الأنهار , ويجعل لك قصورا). .
ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ? ما له بشرا يتصرف تصرفات البشر ? إنه الاعتراض المكرور الذي رددته البشرية عن كل رسول ! كيف يمكن أن يكون فلان ابن فلان , المعروف لهم , المألوف في حياتهم , الذي يأكل كما يأكلون , ويعيش كما يعيشون . . كيف يمكن أن يكون رسولا من عند الله يوحى إليه ? كيف يمكن أن يتصل بعالم آخر غير عالم الأرض يتلقى عنه ? وهم يرونه واحدا منهم من لحم ودم . وهم لا يوحى إليهم , ولا يعرفون شيئا عن ذلك العالم الذي يأتي منه الوحي لواحد منهم , لا يتميز في شيء عنهم .
والمسألة من هذا الجانب قد تبدو غريبة مستبعدة . ولكنها من الجانب الآخر تبدو طبيعية مقبولة . . لقد نفخ الله من روحه في هذا الإنسان , وبهذه النفخة الإلهية تميز وصار إنسانا , واستخلف في الأرض . وهو قاصر العلم , محدود التجربة , ضعيف الوسيلة , وما كان الله ليدعه في هذه الخلافة دون عون منه , ودون هدي ينير له طريقه . وقد أودعه الاستعداد للإتصال به عن طريق تلك النفخة العلوية التي ميزته . فلا عجب أن يختار الله واحدا من هذا الجنس ; صاحب استعداد روحي للتلقي ; فيوحي إليه ما يهدي به إخوانه إلى الطريق كلما غام عليهم الطريق , وما يقدم به إليهم العون كلما كانوا في حاجة إلى العون .
إنه التكريم الإلهي للإنسان يبدو في هذه الصورة العجيبة من بعض جوانبها , الطبيعية من البعض الآخر . ولكن الذين لا يدركون قيمة هذا المخلوق , ولا حقيقة التكريم الذي أراده الله له , ينكرون أن يتصل بشر بالله عن طريق الوحي ; وينكرون أن يكون واحد من هؤلاء البشر رسولا من عند الله . يرون الملائكة أو لي بهذا وأقرب: (لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا). والله قد أسجد الملائكة للإنسان بما أودعه من