والمسلم - مع اعتراف الإسلام بالملكية الفردية المقيدة - ليس حرا في إنفاق أمواله الخاصة كما يشاء - كما هو الحال في النظام الرأسمالي , وعند الأمم التي لا يحكم التشريع الإلهي حياتها في كل ميدان . إنما هو مقيد بالتوسط في الأمرين الإسراف والتقتير . فالإسراف مفسدة للنفس والمال والمجتمع ; والتقتير مثله حبس للمال عن انتفاع صاحبه به وانتفاع الجماعة من حوله فالمال أداة اجتماعية لتحقيق خدمات اجتماعية . والإسراف والتقتير يحدثان اختلالا في المحيط الاجتماعي والمجال الاقتصادي , وحبس الأموال يحدث أزمات ومثله إطلاقها بغير حساب . ذلك فوق فساد القلوب والأخلاق . والإسلام وهو ينظم هذا الجانب من الحياة يبدأ به من نفس الفرد , فيجعل الاعتدال سمة من سمات الإيمان:
(وكان بين ذلك قواما). .
الدرس الرابع:68 - 71 ابتعاد عباد الرحمن عن الذنوب وتوبتهم
وسمة عباد الرحمن بعد ذلك أنهم لا يشركون بالله , ويتحرجون من قتل النفس , ومن الزنا . تلك الكبائر المنكرات التي تستحق أليم العذاب:
(والذين لا يدعون مع الله إلها آخر , ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق , ولا يزنون . ومن يفعل ذلك يلق أثاما . يضاعف له العذاب يوم القيامة , ويخلد فيه مهانا . إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا , فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات , وكان الله غفورا رحيما . ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا).
وتوحيد الله أساس هذه العقيدة , ومفرق الطريق بين الوضوح والاستقامة والبساطة في الاعتقاد ; والغموض والالتواء والتعقيد , الذي لا يقوم على أساسه نظام صالح للحياة .
والتحرج من قتل النفس - إلا بالحق - مفرق الطريق بين الحياة الاجتماعية الآمنة المطمئنة التي تحترم فيها الحياة الإنسانية ويقام لها وزن ; وحياة الغابات والكهوف التي لا يأمن فيها على نفسه أحد ولا يطمئن إلى عمل أو بناء .
والتحرج من الزنا هو مفرق الطريق بين الحياة النظيفة التي يشعر فيها الإنسان بارتفاعه عن الحس الحيواني الغليظ , ويحس بأن لالتقائه بالجنس الآخر هدفا أسمى من إرواء سعار اللحم والدم , والحياة الهابطة الغليظة التي لا هم للذكران والإناث فيها إلا إرضاء ذلك السعار .
ومن أجل أن هذه الصفات الثلاثة مفرق الطريق بين الحياة اللائقة بالإنسان الكريم على الله ; والحياة الرخيصة الغليظة الهابطة إلى درك الحيوان . . من أجل ذلك ذكرها الله في سمات عباد الرحمن . أرفع الخلق عند الله وأكرمهم على الله . وعقب عليها بالتهديد الشديد: (ومن يفعل ذلك يلق أثاما)أي عذابا . وفسر هذا العذاب بما بعده(يضاعف له العذاب يوم القيامة . ويخلد فيه مهانا). . فليس هو العذاب المضاعف وحده , وإنما هي المهانة كذلك , وهي أشد وأنكى .
ثم يفتح باب التوبة لمن أراد أن ينجو من هذا المصير المسيء بالتوبة والإيمان الصحيح والعمل الصالح: (إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا)ويعد التائبين المؤمنين العاملين أن يبدل ما عملوه من سيئات قبل التوبة حسنات بعدها تضاف إلى حسناتهم الجديدة: (فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات). وهو فيض من عطاء الله لا مقابل له من عمل العبد إلا أنه اهتدى ورجع عن الضلال , وثاب إلى حمى الله , ولاذ به بعد الشرود والمتاهة . (وكان الله غفورا رحيما). .
وباب التوبة دائما مفتوح , يدخل منه كل من استيقظ ضميره , وأراد العودة والمآب . لا يصد عنه