قاصد , ولا يغلق في وجه لاجى ء , أيا كان , وأيا ما ارتكب من الآثام . روى الطبراني من حديث أبي المغيرة عن صفوان بن عمر عن عبد الرحمن بن جبير عن أبي فروة , أنه أتى النبي [ ص ] فقال:أرأيت رجلا عمل الذنوب كلها ولم يترك حاجة ولا داجة , فهل له من توبة ? فقال:" أسلمت ? " فقال:نعم . قال:" فافعل الخيرات واترك السيئات , فيجعلها الله لك خيرات كلها " قال:وغدراتي وفجراتي ? قال:" نعم " . فما زال يكبر حتى توارى .
ويضع قاعدة التوبة وشرطها:(ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا). . فالتوبة تبدأ بالندم والإقلاع عن المعصية , وتنتهي بالعمل الصالح الذي يثبت أن التوبة صحيحة وأنها جدية . وهو في الوقت ذاته ينشئ التعويض الإيجابي في النفس للإقلاع عن المعصية . فالمعصية عمل وحركة , يجب ملء فراغه بعمل مضاد وحركة , وإلا حنت النفس إلى الخطيئة بتأثير الفراغ الذي تحسه بعد الإقلاع . وهذه لمحة في منهج التربية القرآني عجيبة , تقوم على خبرة بالنفس الإنسانية عميقة . ومن أخبر من الخالق بما خلق ? سبحانه تعالى !
الدرس الخامس:72 عدم شهادتهم للزور ولا اشتراكهم باللغو
وبعد هذا البيان المعترض يعود إلى سمات (عباد الرحمن):
(والذين لا يشهدون الزور , وإذا مروا باللغو مروا كراما). .
وعدم شهادة الزور قد تكون على ظاهر اللفظ ومعناه القريب , أنهم لا يؤدون شهادة زور , لما في ذلك من تضييع الحقوق , والإعانة على الظلم . وقد يكون معناها الفرار من مجرد الوجود في مجلس أو مجال يقع فيه الزور بكل صنوفه وألوانه , ترفعا منهم عن شهود مثل هذه المجالس والمجالات . وهو أبلغ وأوقع . وهم كذلك يصونون أنفسهم واهتماماتهم عن اللغو والهذر: (وإذا مروا باللغو مروا كراما)لا يشغلون أنفسهم به , ولا يلوثونها بسماعه ; إنما يكرمونها عن ملابسته ورؤيته بله المشاركة فيه ! فللمؤمن ما يشغله عن اللغو والهذر , وليس لديه من الفراغ والبطالة ما يدفعه إلى الشغل باللغو الفارغ , وهو من عقيدته ومن دعوته ومن تكاليفها في نفسه وفي الحياة كلها في شغل شاغل .
الدرس السادس:73 تفاعلهم مع آيات الله
ومن سماتهم أنهم سريعو التذكر إذا ذكروا , قريبو الاعتبار إذا وعظوا , مفتوحو القلوب لآيات الله , يتلقونها بالفهم والاعتبار:
(والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا).
وفي التعبير تعريض بالمشركين الذين ينكبون على آلهتهم وعقائدهم وأباطيلهم كالصم والعميان ; لا يسمعون ولا يبصرون , ولا يتطلعون إلى هدى أو نور . وحركة الانكباب على الوجوه بلا سمع ولا بصر ولا تدبر حركة تصور الغفلة والانطماس والتعصب الأعمى . فأما عباد الرحمن , فهم يدركون إدراكا واعيا بصيرا ما في عقيدتهم من حق , وما في آيات الله من صدق , فيؤمنوا إيمانا واعيا بصيرا , لا تعصبا أعمى ولا انكبابا على الوجوه ! فإذا تحمسوا لعقيدتهم فإنما هي حماسة العارف المدرك البصير .
الدرس السابع:74 طلبهم الذرية الصالحة
وأخيرا فإن عباد الرحمن لا يكفيهم أنهم يبيتون لربهم سجدا وقياما ; وأنهم يتسمون بتلك السمات العظيمة كلها , بل يرجون أن تعقبهم ذرية تسير على نهجهم , وأن تكون لهم أزواج من نوعهم ; فتقر بهم عيونهم ,