وتطمئن بهم قلوبهم , ويتضاعف بهم عدد (عباد الرحمن)ويرجون أن يجعل الله منهم قدوة طيبة للذين يتقون الله ويخافونه:(والذين يقولون:ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين , واجعلنا للمتقين إماما). .
وهذا هو الشعور الفطري الإيماني العميق:شعور الرغبة في مضاعفة السالكين في الدرب إلى الله . وفي أولهم الذرية والأزواج , فهم أقرب الناس تبعة وهم أول أمانة يسأل عنها الرجال . والرغبة كذلك في أن يحس المؤمن أنه قدوة للخير , يأتم به الراغبون في الله . وليس في هذا من أثرة ولا استعلاء فالركب كله في الطريق إلى الله .
الدرس الثامن:75 - 76 جزاء عباد الله
فأما جزاء عباد الرحمن فيختم به هذا البيان:
(أولئك يجزون الغرفة بما صبروا , ويلقون فيها تحية وسلاما , خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما). .
والغرفة ربما كان المقصود بها الجنة , أو المكان الخاص في الجنة , كما أن الغرفة أكرم من البهو فيما اعتاد الناس في البيوت في هذه الأرض , عندما يستقبلون الأضياف . وأولئك الكرام الذين سبقت صفاتهم وسماتهم , يستقبلون في الغرفة بالتحية والسلام , جزاء ما صبروا على تلك الصفات والسمات . وهو تعبير ذو دلالة . فهذه العزائم تحتاج إلى الصبر على شهوات النفس , ومغريات الحياة , ودوافع السقوط . والاستقامة جهد لا يقدر عليه إلا بالصبر . الصبر الذي يستحق أن يذكره الله في هذا الفرقان .
وفي مقابل جهنم التي يتضرعون إلى ربهم أن يصرفها عنهم لأنها ساءت مستقرا ومقاما , يجزيهم الله الجنة(خالدين فيها . حسنت مستقرا ومقاما)فلا مخرج لهم إلا أن يشاء الله . وهم فيها على خير حال من الاستقرار والمقام .
الدرس التاسع:77 هوان الكفار على الله
والآن وقد صور عباد الرحمن . تلك الخلاصة الصافية للبشرية . يختم السورة بهوان البشرية على الله لولا هؤلاء الذين يتطلعون إلى السماء . فأما المكذبون فالعذاب حتم عليهم لزام .
(قل:ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما). .
وهو ختام يناسب موضوع السورة كلها ; ومساقها للتسرية عن رسول الله [ ص ] وتعزيته عما يلاقي من عناد قومه وجحودهم , وتطاولهم عليه , وهم يعرفون مقامه ; ولكنهم في سبيل الإبقاء على باطلهم يعاندون ويصرون . . فما قومه ? وما هذه البشرية كلها , لولا القلة المؤمنة التي تدعو الله . وتتضرع إليه . كما يدعو عباد الرحمن ويتضرعون ?
من هم والأرض التي تضم البشر جميعا إن هي إلا ذرة صغيرة في فضاء الكون الهائل . والبشرية كلها إن هي إلا نوع من أنواع الأحياء الكثيرة على وجه هذه الأرض . والأمة واحدة من أمم هذه الأرض . والجيل الواحد من أمة إن هو إلا صفحة من كتاب ضخم لا يعلم عدد صفحاته إلا الله ?
وإن الإنسان مع ذلك لينتفخ وينتفخ ويحسب نفسه شيئا ; ويتطاول ويتطاول حتى ليتطاول على خالقه سبحانه ! وهو هين هين , ضعيف ضعيف , قاصر قاصر . إلا أن يتصل بالله فيستمد منه القوة والرشاد , وعندئذ فقط يكون شيئا في ميزان الله ; وقد يرجح ملائكة الرحمن في هذا الميزان . فضلا من الله الذي كرم هذا