الخصائص الفائقة , الناشئة من النفخة العلوية الكريمة . وإنها الحكمة الإلهية كذلك تبدو في رسالة واحد من البشر إلى البشر . واحد من البشر يحس إحساسهم , ويتذوق مواجدهم , ويعاني تجاربهم , ويدرك آلامهم وآمالهم , ويعرف نوازعهم وأشواقهم , ويعلم ضروراتهم وأثقالهم . . ومن ثم يعطف على ضعفهم ونقصهم , ويرجو في قوتهم واستعلائهم , ويسير بهم خطوة خطوة , وهو يفهم ويقدر بواعثهم وتأثراتهم واستجاباتهم , لأنه في النهاية واحد منهم , يرتاد بهم الطريق إلى الله , بوحي من الله وعون منه على وعثاء الطريق !
وهم من جانبهم يجدون فيه القدوة الممكنة التقليد , لأنه بشر منهم , يتسامى بهم رويدا رويدا ; ويعيش فيهم بالأخلاق والأعمال والتكاليف التي يبلغهم أن الله قد فرضها عليهم , وأرادها منهم ; فيكون هو بشخصه ترجمة حية للعقيدة التي يحملها إليهم . وتكون حياته وحركاته وأعماله صفحة معروضة لهم ينقلونها سطرا سطرا , ويحققونها معنى معنى , وهم يرونها بينهم , فتهفو نفوسهم إلى تقليدها , لأنها ممثلة في إنسان ; ولو كان ملكا ما فكروا في عمله ولا حاولوا أن يقلدوه ; لأنهم منذ البدء يشعرون أن طبيعته غير طبيعتهم , فلا جرم يكون سلوكه غير سلوكهم على غير أمل في محاكاته , ولا شوق إلى تحقيق صورته !
فهي حكمة الله الذي خلق كل شيء فقدره تقديرا . هي حكمة الله البالغة أن جعل الرسول بشرا ليؤدي دوره على قيادة البشر . والاعتراض على بشرية الرسول جهل بهذه الحكمة . فوق ما فيه من جهل بتكريم الله للإنسان !
وكان من اعتراضاتهم الساذجة الجاهلة أن هذا الرسول يمشي في الأسواق ليكسب رزقه . فهلا كفاه الله ذلك , وحباه بالمال الكثير عن غير كد ولا عمل: (أو يلقى إليه كنز , أو تكون له جنة يأكل منها)!
والله لم يرد لرسوله [ ص ] أن يكون له كنز ولا أن تكون له جنة . لأنه أراد أن يكون قدوة كاملة لأمته ; ينهض بتكاليف رسالته الضخمة الهائلة , وهو في الوقت ذاته يسعى لرزقه كما يسعى رجل من أمته . فلا يقولن أحد من أمته يكد لعيشه:لقد كان رسول الله [ ص ] مكفي الحاجة , لا يعاني صراع العيش , ومن ثم فرغ لعقيدته ورسالته وتكاليفه , فلم يعوقه عائق مما أعاني . . فها هو ذا رسول الله [ ص ] يعمل ليعيش , ويعمل لرسالته , فلا أقل من أن ينهض كل أحد من أمته بنصيبه الصغير من تكاليف هذه الرسالة - وقدوته أمامه - ولقد انهال المال بعد ذلك على رسول الله [ ص ] كي تتم التجربة من جانبها الآخر وتتم القدوة . فلم يدع هذا المال يشغله أو يعطله , فكان كالريح المرسلة في جوده , حتى يستعلي على فتنة المال , ويرخص من قيمته في النفوس ; وكي لا يقولن أحد بعد ذلك:إنما نهض محمد [ ص ] برسالته , لأنه عاش فقيرا لا يشغله من المال شاغل , فها هو ذا المال يأتيه غزيرا وفيرا , ولكنه يمضي في دعوته كذلك . شأنه يوم أن كان فقيرا .
وما المال ? وما الكنوز ? وما الجنان ? حين يتصل الإنسان الفاني الضعيف بالله الباقي القوي ? ما هذه الأرض وما فيها ? بل ما هذا الكون المخلوق كله , بعد الاتصال بالله خالق كل شيء , وواهب الكثير والقليل ? ولكن القوم ما كانوا يوم ذلك يدركون !
(وقال الظالمون:إن تتبعون إلا رجلا مسحورا). .
وهي كلمة ظالمة فاحشة حكاها عنهم هنا , وحكاها عنهم كذلك في سورة الإسراء . ورد عليها هنا وهناك ردا واحدا:
(انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا). .