وهو الذي على يده مصرع فرعون وجنده !
(عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا). .
وهو الذي تخبئ لهم الأقدار من ورائه ما حذروا منه طويلا !
(وهم لا يشعرون). .
فيا للقدرة القادرة التي تتحداهم وتسخر منهم وهم لا يشعرون !
وينتهي المشهد الثاني ويسدل الستار عليه إلى حين .
ذلك شأن موسى . فما بال أمه الوالهة وقلبها الملهوف ?
(وأصبح فؤاد أم موسى فارغا . إن كادت لتبدي به . لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين . وقالت لأخته:قصيه). .
لقد سمعت الإيحاء , وألقت بطفلها إلى الماء . ولكن أين هو يا ترى وماذا فعلت به الأمواج ? ولعلها سألت نفسها:كيف ? كيف أمنت على فلذة كبدي أن أقذف بها في اليم ? كيف فعلت ما لم تفعله من قبل أم ? كيف طلبت له السلامة في هذه المخافة ? وكيف استسلمت لذلك الهاتف الغريب ?
والتعبير القرآني يصور لنا فؤاد الأم المسكينة صورة حية:(فارغا). . لا عقل فيه ولا وعي ولا قدرة على نظر أو تصريف !
(إن كادت لتبدي به). . وتذيع أمرها في الناس , وتهتف كالمجنونة:أنا أضعته . أنا أضعت طفلي . أنا ألقيت به في اليم اتباعا لهاتف غريب !
(لولا أن ربطنا على قلبها). . وشددنا عليه وثبتناها , وأمسكنا بها من الهيام والشرود .
(لتكون من المؤمنين). . المؤمنين بوعد الله , الصابرين على ابتلائه , السائرين على هداه .
ولم تسكت أم موسى عن البحث والمحاولة !
(وقالت لأخته:قصيه). . اتبعي أثره , واعرفي خبره , إن كان حيا , أو أكلته دواب البحر أو وحوش البر . . أو أين مقره ومرساه ?
وذهبت أخته تقص أثره في حذر وخفية , وتتلمس خبره في الطرق والأسواق . فإذا بها تعرف أين ساقته القدرة التي ترعاه ; وتبصر به عن بعد في أيدي خدم فرعون يبحثون له عن ثدي للرضاع:
(فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون . وحرمنا عليه المراضع من قبل . فقالت:هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون ?). .
إن القدرة التي ترعاه تدبر أمره , وتكيد به لفرعون وآله ; فتجعلهم يلتقطونه , وتجعلهم يحبونه , وتجعلهم يبحثون له عن ظئر ترضعه , وتحرم عليه المراضع , لتدعهم يحتارون به ; وهو يرفض الثدي كلما عرضت عليه , وهم يخشون عليه الموت أو الذبول ! حتى تبصر به أخته من بعيد , فتعرفه وتتيح لها القدرة فرصة لهفتهم على مرضع , فتقول لهم: (هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون)? فيتلقفون كلماتها , وهم يستبشرون , يودون لو تصدق فينجو الطفل العزيز المحبوب !
وينتهي المشهد الرابع ; فنجدنا أمام المشهد الخامس والأخير في هذه الحلقة . وقد عاد الطفل الغائب لأمه الملهوفة . معافى في بدنه , مرموقا في مكانته , يحميه فرعون , وترعاه امرأته , وتضطرب المخاوف من حوله