أنعامهم لتشرب من الماء ; ووجد هناك امرأتين تمنعان غنمهما عن ورود الماء . والأولى عند ذوي المروءة والفطرة السليمة , أن تسقي المرأتان وتصدرا بأغنامهما أولا , وأن يفسح لهما الرجال ويعينوهما . ولم يقعد موسى الهارب المطارد , المسافر المكدود , ليستريح , وهو يشهد هذا المنظر المنكر المخالف للمعروف . بل تقدم للمرأتين يسألهما عن أمرهما الغريب:
(قال:ما خطبكما ?).
(قالتا:لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير). .
فأطلعتاه على سبب انزوائهما وتأخرهما وذودهما لغنمهما عن الورود . إنه الضعف , فهما امرأتان وهؤلاء الرعاة رجال . وأبوهما شيخ كبير لا يقدر على الرعي ومجالدة الرجال ! وثارت نخوة موسى - عليه السلام - وفطرته السليمة . فتقدم لإقرار الأمر في نصابه . تقدم ليسقي للمرأتين أولا , كما ينبغي أن يفعل الرجال ذوو الشهامة . وهو غريب في أرض لا يعرفها , ولا سند له فيها ولا ظهير . وهو مكدود قادم من سفر طويل بلا زاد ولا استعداد . وهو مطارد , من خلفه اعداء لا يرحمون . ولكن هذا كله لا يقعد به عن تلبية دواعي المروءة و النجدة والمعروف , وإقرار الحق الطبيعي الذي تعرفه النفوس:
(فسقى لهما). .
مما يشهد بنبل هذه النفس التي صنعت على عين الله . كما يشي بقوته التي ترهب حتى وهو في إعياء السفر الطويل . ولعلها قوة نفسه التي أوقعت في قلوب الرعاة رهبته أكثر من قوة جسمه . فإنما يتأثر الناس أكثر بقوة الأرواح والقلوب .
(ثم تولى إلى الظل). .
مما يشير إلى أن الأوان كان أوان قيظ وحر , وأن السفرة كانت في ذلك القيظ والحر .
(فقال:رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير). .
إنه يأوي إلى الظل المادي البليل بجسمه , ويأوى إلى الظل العريض الممدود . ظل الله الكريم المنان . بروحه وقلبه: (رب . إني لما أنزلت إلي من خير فقير). رب إني في الهاجرة . رب إني فقير . رب إني وحيد . رب إني ضعيف . رب إني إلى فضلك ومنك وكرمك فقير محووج .
ونسمع من خلال التعبير رفرفة هذا القلب والتجاءه إلى الحمى الآمن , والركن الركين , والظل والظليل . نسمع المناجاة القريبة والهمس الموحي , والانعطاف الرفيق , والاتصال العميق: (رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير). .
وما نكاد نستغرق مع موسى - عليه السلام - في مشهد المناجاة حتى يعجل السياق بمشهد الفرج , معقبا في التعبير بالفاء , كأنما السماء تسارع فتستجيب للقلب الضارع الغريب .
فجاءته إحداهما تمشي على استحياء . قالت:إن أبي يدعوك ليجزيك أجرما سقيت لنا . .
يا فرج الله:ويا لقربه ويا لنداه ! إنها دعوة الشيخ الكبير استجابة من السماء لدعوة موسى الفقير . دعوة للإيواء والكرامة والجزاء على الإحسان . دعوة تحملها:(إحداهما)وقد جاءته (تمشي على استحياء)مشية الفتاة الطاهرة الفاضلة العفيفة النظيفة حين تلقى الرجال . (على استحياء). في غير ما تبذل ولا تبرج ولا تبجح ولا إغواء . جاءته لتنهي إليه دعوة في أقصر لفظ وأخصره وأدله , يحكيه القرآن بقوله: (إن أبي يدعوك