ولكنهم لا يهتاجون ولا يغتاظون ولا يجارون أهل اللغو فيردون عليهم بمثله , ولا يدخلون معهم في جدل حوله , لأن الجدل مع أهل اللغو لغو ; إنما يتركونهم في موادعة وسلام .
(وقالوا:لنا أعمالنا ولكم أعمالكم . سلام عليكم). .
هكذا في أدب , وفي دعاء بالخير , وفي رغبة في الهداية . . مع عدم الرغبة في المشاركة:
(لا نبتغي الجاهلين). .
ولا نريد أن ننفق معهم وقتنا الثمين , ولا أن نجاريهم في لغوهم أو نسمع إليه صامتين ! .
إنها صورة وضيئة للنفس المؤمنة المطمئنة إلى إيمانها . تفيض بالترفع عن اللغو . كما تفيض بالسماحة والود . وترسم لمن يريد أن يتأدب بأدب الله طريقه واضحا لا لبس فيه . فلا مشاركة للجهال , ولا مخاصمة لهم , ولا موجدة عليهم , ولا ضيق بهم . إنما هو الترفع والسماحة وحب الخير حتى للجارم المسيء .
الدرس الثالث:56 الهداية بين قدر الله واختيار الإنسان
هؤلاء الذين آمنوا من أهل الكتاب لم يزد الرسول [ ص ] في جهاده معهم للإيمان على أن يتلو عليهم القرآن . ووراءه من قومه من جهد جهده ليؤمن ; ومن أحب بكل نفسه أن يهديه للإسلام . فلم يقدر الله له ذلك لأمر يعلمه من نفسه . وما كان النبي [ ص ] ليهدي من يحب . إنما يهدي الله من يعلم من نفسه ما يستحق به الهدى ومن هو مستعد للإيمان . .
(إنك لا تهدي من أحببت , ولكن الله يهدي من يشاء . وهو أعلم بالمهتدين). .
ورد في الصحيحين أنها نزلت في أبي طالب عم النبي [ ص ] وقد كان يحوطه وينصره , ويقف دونه في وجه قريش , ويحميه حتى يبلغ دعوته , ويحتمل في سبيل ذلك مقاطعة قريش له ولبني هاشم وحصارهم في الشعب . ولكنه إنما يفعل ذلك كله حبا لابن أخيه , وحمية وإباء ونخوة . فلما حضرته الوفاة دعاه رسول الله [ ص ] إلى الإيمان والدخول في الإسلام , فلم يكتب الله له هذا , لما يعلمه سبحانه من أمره . .
قال الزهري:حدثني سعيد بن المسيب عن أبيه وهو المسيب بن حزن المخزومي - رضي الله عنه - قال:لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله [ ص ] فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبدالله بن أمية ابن المغيرة . فقال رسول الله [ ص ]:" يا عم قل:لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله " فقال أبو جهل وعبدالله بن أمية:يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب ? فلم يزل رسول الله [ ص ] يعرضها عليه ويعودان له بتلك المقالة حتى كان آخر ما قال:على ملة عبد المطلب . وأبى أن يقول:لا إله إلا الله . فقال رسول الله [ ص ]:" والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك " فأنزل الله تعالى: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى). وأنزل في أبي طالب: (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) . . [ أخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري ] .
ورواه مسلم في صحيحه والترمذي من حديث يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة قال":لما حضرت وفاة أبي طالب أتاه رسول الله [ ص ] فقال:" يا عماه . قل:لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة " فقال:لولا أن تعيرني بها قريش يقولون:ما حمله عليها إلا جزع الموت لأقررت بها عينك . لا أقولها إلا لأقر بها عينك " . ونزل قول الله تعالى:(إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين).