|
في ظلال القرآن
الكريم
القلم من الاية 1 الى الاية 1 ن وَالْقَلَمö وَمَا يَسْطُرُونَ (1)
سورة القلم تقديم لسورة القلم لا يمكن تحديد التاريخ الذي نزلت فيه هذه السورة سواء مطلعها أو جملتها . كما أنه لا يمكن الجزم بأن مطلعها قد نزل أولا , وأن سائرها نزل أخيرا - ولا حتى ترجيح هذا الاحتمال . لأن مطلع السورة وختامها يتحدثان عن أمر واحد , وهو تطاول الذين كفروا على شخص رسول الله [ ص ] وقولهم:إنه مجنون ! والروايات التي تقول:إن هذه السورة هي الثانية في النزول بعد سورة العلق كثيرة , ومن المتفق عليه في ترتيب المصاحف المختلفة أنها هي السورة الثانية ; ولكن سياق السورة وموضوعها وأسلوبها يجعلنا نرجح غير هذا . حتى ليكاد يتعين أنها نزلت بعد فترة من الدعوة العامة , التي جاءت بعد نحو ثلاث سنوات من الدعوة الفردية , في الوقت الذي أخذت فيه قريش تدفع هذه الدعوة وتحاربها , فتقول عن رسول الله [ ص ] تلك القولة الفاجرة ; وأخذ القرآن يردها وينفيها , ويهدد المناهضين للدعوة , ذلك التهديد الوارد في السورة . واحتمال أن مطلع السورة نزل مبكرا وحده بعد مطلع سورة العلق . وأن الجنون المنفي فيه:(ما أنت بنعمة ربك بمجنون). . جاء بمناسبة ما كان يتخوفه النبي [ ص ] على نفسه في أول الوحي , من أن يكون ذلك جنونا أصابه . . هذا الاحتمال ضعيف . لأن هذا التخوف ذاته على هذا النحو ليست فيه رواية محققة , ولأن سياق السورة المتماسك يدل على أن هذا النفي ينصب على ما جاء في آخرها من قوله تعالى: (وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون:إنه لمجنون). . فهذا هو الأمر الذي افتتح السورة بنفيه , كما يتبادر إلى الذهن عند قراءة السورة المتماسكة الحلقات . كذلك ذكرت بعض الروايات أن في السورة آيات مدنية من الآية السابعة عشرة إلى نهاية الآية الثالثة والثلاثين . وهي الآيات التي ذكرت قصة أصحاب الجنة وابتلاءهم , والآيات من الثانية والأربعين إلى نهاية الخمسين وهي التي تشير إلى قصة صاحب الحوت . . ونحن نستبعد هذا كذلك . ونعتقد أن السورة كلها مكية . لأن طابع هذه الآيات عميق في مكيته . وهو أنسب شيء لأن يجيء في سياق السورة عند نزولها متسقا مع الموضوع ومع الحالة التي تعالجها . والذي نرجحه بشأن السورة كلها أنها ليست الثانية في ترتيب النزول ; وأنها نزلت بعد فترة من البعثة النبوية بعد أمر النبي [ ص ] بالدعوة العامة . وبعد قول الله تعالى له:(وأنذر عشيرتك الأقربين). وبعد نزول طائفة من القرآن فيها شيء من قصص الأولين وأخبارهم , التي قال عنها قائلهم: (أساطير الأولين). . وبعدما أصبحت قريش مدعوة إلى الإسلام كافة , وأصبحت تدفع هذه الدعوة بالاتهامات الباطلة والحرب العنيفة التي اقتضت تلك الحملة العنيفة الواردة في السورة على المكذبين , والتهديد القاصم في أولها وفي آخرها على السواء . . والمشهد الأخير في السورة يوحي بهذا كذلك:(وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون:إنه لمجنون). . فهو مشهد دعوة عامة لمجموعات كبيرة . ولم يكن الأمر كذلك في أول الدعوة . إنما كانت الدعوة توجه إلى أفراد . بوسيلة فردية . ولا تلقى إلى الذين كفروا وهم متجمعون . ولم يقع شيء من هذا - كما تقول الروايات الراجحة - إلا بعد ثلاث سنوات من بدء الدعوة . والسورة تشير إلى شيء من عروض المشركين على النبي [ ص ] للالتقاء في منتصف الطريق , والتهادن على تراض في القضية التي يختلفون عليها وهي قضية العقيدة:(ودوا لو تدهن فيدهنون). . وظاهر أن مثل هذه المحاولة لا تكون والدعوة فردية , ولا خطر منها . إنما تكون بعد ظهورها , وشعور المشركين بخطرها . وهكذا تتضافر الشواهد على أن هذه السورة نزلت متأخرة عن أيام الدعوة الأولى . وأن هناك ثلاث سنوات على الأقل - قابلة للزيادة - بين بدء الدعوة وبين وقت نزولها . ولا يعقل أن ثلاث سنوات مرت لم يتنزل فيها قرآن . والطبيعي أن تكون هناك سور كثيرة , وأجزاء من سور قد نزلت في هذه الفترة , تتحدث عن ذات العقيدة بدون مهاجمة عنيفة للمكذبين بها كالوارد في هذه السورة منذ مطلعها . ولكن هذا لا ينفي أن تكون هذه السورة وسورتا المدثر والمزمل قد نزلت في الفترة الأولى من الدعوة . وإن لم يكن ذلك أول ما نزل كما هو وارد في المصاحف , للأسباب التي أوردناها هنا . وهي تكاد تنطبق كذلك على سورتي المزمل والمدثر . لقد كانت هذه الغرسة - غرسة العقيدة الإسلامية - تودع في الأرض لأول مرة في صورتها الرفيعة المجردة الناصعة . وكانت غريبة على حس الجاهلية السائدة , لا في الجزيرة العربية وحدها بل كذلك في أنحاء الأرض جميعا . وكانت النقلة عظيمة بين الصورة الباهتة المحرفة المشوهة من ملة إبراهيم التي يستمسك بخيوط حائلة منها مشركو قريش , ويلصقون بها الترهات والأساطير والأباطيل السائدة عندهم , وبين الصورة الباهرة العظيمة المستقيمة الواضحة البسيطة الشاملة المحيطة التي جاءهم بها محمد [ ص ] متفقة في أصولها مع الحنيفية الأولى - دين إبراهيم عليه السلام - وبالغة نهاية الكمال الذي يناسب كونها الرسالة الأخيرة للأرض , الباقية لتخاطب الرشد العقلي في البشرية إلى آخر الزمان . وكانت النقلة عظيمة بين الشرك بالله وتعدد الأرباب , وعبادة الملائكة وتماثيلها , والتعبد للجن وأرواحها , وسائر هذه التصورات المضطربة المفككة التي تتألف منها العقيدة الجاهلية . . وبين الصورة الباهرة التي يرسمها القرآن للذات الإلهية الواحدة وعظمتها وقدرتها , وتعلق إرادتها بكل مخلوق . كذلك كانت النقلة عظيمة بين الطبقية السائدة في الجزيرة , والكهانة السائدة في ديانتها , واختصاص طبقات بالذات بالسيادة والشرف وسدانة الكعبة والقيام بينها وبين العرب الآخرين . . وبين البساطة والمساواة أمام الله والاتصال المباشربينه وبين عباده كما جاء بها القرآن . ومثلها كانت النقلة بين الأخلاق السائدة في الجاهلية والأخلاق التي جاء القرآن يبشر بها , وجاء محمد [ ص ] يدعو إليها ويمثلها . وكانت هذه النقلة وحدها كافية للتصادم بين العقيدة الجديدة وبين قريش ومعتقداتها وأخلاقها . ولكن هذه لم تكن وحدها . فقد كان إلى جانبها اعتبارات - ربما كانت أضخم في تقدير قريش من العقيدة ذاتها - على ضخامتها . كانت هناك الاعتبارات الاجتماعية التي دعت بعضهم أن يقول كما حكى عنهم القرآن الكريم: (لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم !). . والقريتان هما مكة والطائف . فإن رسول الله [ ص ] مع شرف نسبه , وأنه في الذؤابة من قريش , لم تكن له مشيخة فيهم ولا رياسة قبل البعثة . بينما كان هناك مشيخة قريش ومشيخة ثقيف وغيرهما , في بيئة تجعل للمشيخة والرياسة القبلية كل الاعتبار , فلم يكن من السهل الانقياد خلف محمد [ ص ] من هؤلاء المشيخة ! وكانت هناك الاعتبارات العائلية التي تجعل رجلا كأبي جهل "عمرو بن هشام" يأبى أن يسلم بالحق الذي يواجهه بقوة في الرسالة الإسلامية , لأن نبيها من بني عبد مناف . . وذلك كما ورد في قصته مع الأخنس بن شريق وأبي سفيان بن حرب , حين خرجوا ثلاث ليال يستمعون القرآن خفية , وهم في كل ليلة يتواعدون على عدم العودة خيفة أن يراهم الناس فيقع في نفوسهم شيء . فلما سأل الأخنس بن شريق أبا جهل رأيه فيما سمع من محمد كان جوابه:"ماذا سمعت ? تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف:أطعموا فأطعمنا , وحملوا فحملنا , وأعطوا فأعطينا . حتى إذا تجاثينا على الركب , وكنا كفرسي رهان , قالوا:منا نبي يأتيه الوحي من السماء . فمتى ندرك مثل هذه ? والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه ! " . وكانت هناك اعتبارات أخرى نفعية وطبقية ونفسية من ركام الجاهلية في المشاعر والتصورات والأوضاع كلها تحاول قتل تلك الغرسة الجديدة في مغرسها بكل وسيلة قبل أن تثبت جذورها وتتعمق , وقبل أن تمتد فروعها وتتشابك . وبخاصة بعد أن تجاوزت دور الدعوة الفردية ; وأمر الله تعالى نبيه [ ص ] أن يجهر بالدعوة ; وأخذت معالم الدعوة الجديدة تبرز , كما أخذ القرآن يتنزل بتسفيه عقيدة الشرك وما وراءها من الآلهة المدعاة والتصورات المنحرفة والتقاليد الباطلة . والرسول [ ص ] ولو أنه نبي , ولو أنه يتلقى من ربه الوحي , ولو أنه يتصل بالملأ الأعلى . . هو بشر , تخالجه مشاعر البشر . وكان يتلقى هذه المقاومة العنيفة , وتلك الحرب التي شنها عليه المشركون , ويعاني وقعها العنيف الأليم , هو والحفنة القليلة التي آمنت به على كره من المشركين . وكان [ ص ] يسمع والمؤمنون به يسمعون , ما كان يتقوله عليه المشركون , ويتطاولون به على شخصه الكريم , (ويقولون:إنه لمجنون). . ولم تكن هذه إلا واحدة من السخريات الكثيرة , التي حكاها القرآن في السور الأخرى ; والتي كانت توجه إلى شخصه [ ص ] وإلى الذين آمنوا معه . وغير الأذى الذي كان يصيب الكثيرين منهم على أيدي أقربائهم الأقربين ! والسخرية والاستهزاء - مع الضعف والقلة - مؤذيان أشد الإيذاء للنفس البشرية , ولو كانت هي نفس رسول . ومن ثم نرى في السور المكية - كسور هذا الجزء - أن الله كأنما يحتضن - سبحانه - رسوله والحفنة المؤمنة معه , ويواسيه ويسري عنه , ويثني عليه وعلى المؤمنين . ويبرز العنصر الأخلاقي الذي يتمثل في هذه الدعوة وفي نبيها الكريم . وينفي ما يقوله المتقولون عنه , ويطمئن قلوب المستضعفين بأنه هو يتولى عنهم حرب أعدائهم , ويعفيهم من التفكير في أمر هؤلاء الأعداء الأقوياء الأغنياء ! ونجد من هذا في سورة القلم مثل قوله تعالى عن النبي [ ص ]: (ن . والقلم وما يسطرون . ما أنت بنعمة ربك بمجنون . وإن لك لأجرا غير ممنون . وإنك لعلى خلق عظيم). . وقوله تعالى عن المؤمنين: إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم . أفنجعل المسلمين كالمجرمين ? مالكم ? كيف تحكمون ?! . . ويقول عن أحد أعداء النبي البارزين: (ولا تطع كل حلاف مهين . هماز مشاء بنميم . مناع للخير معتد أثيم . عتل بعد ذلك زنيم . أن كان ذا مال وبنين . إذا تتلى عليه آياتنا قال:أساطير الأولين . سنسمه على الخرطوم !). . ثم يقول عن حرب المكذبين عامة: (فذرني ومن يكذب بهذا الحديث . سنستدرجهم من حيث لا يعلمون . وأملي لهم إن كيدي متين). . وذلك غير عذاب الآخرة المذل للمتكبرين: يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون . خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة . وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون . . ويضرب لهم أصحاب الجنة - جنة الدنيا - مثلا على عاقبة البطر تهديدا لكبراء قريش المعتزين بأموالهم وأولادهم ممن لهم مال وبنون ; الكائدون للدعوة بسبب مالهم من مال وبنين . وفي نهاية السورة يوصي النبي [ ص ] بالصبر الجميل: (فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت . .). ومن خلال هذه المواساة وهذا الثناء وهذا التثبيت , مع الحملة القاصمة على المكذبين والتهديد الرهيب , يتولى الله - سبحانه - بذاته حربهم في ذلك الأسلوب العنيف . . من خلال هذا كله نتبين ملامح تلك الفترة , فترة الضعف والقلة , وفترة المعاناة والشدة , وفترة المحاولة القاسية لغرس تلك الغرسة الكريمة في تلك التربة العنيدة ! كذلك نلمح من خلال أسلوب السورة وتعبيرها وموضوعاتها ملامح البيئة التي كانت الدعوة الإسلامية تواجهها . وهي ملامح فيها سذاجة وبدائية في التصور والتفكير والمشاعر والاهتمامات والمشكلات على السواء . نلمح هذه السذاجة في طريقة محاربتهم للدعوة بقولهم للنبي [ ص ] (إنه لمجنون)!
التالي
|