|
في ظلال القرآن
الكريم
القلم من الاية 8 الى الاية 9 فَلَا تُطöعö الْمُكَذّöبöينَ (8) وَدُّوا لَوْ تُدْهöنُ فَيُدْهöنُونَ (9)
بينها وبين الإسلام لا تعبر , ولا تقام عليها قنطرة , ولا تقبل قسمة ولا صلة . وإنما هو النضال الكامل الذي يستحيل فيه التوفيق ! وقد وردت روايات شتى فيما كان يدهن به المشركون للنبي [ ص ] ليدهن لهم ويلين ; ويترك سب آلهتهم وتسفيه عبادتهم , أو يتابعهم في شيء مما هم عليه ليتابعوه في دينه , وهم حافظون ماء وجوههم أمام جماهير العرب ! على عادة المساومين الباحثين عن أنصاف الحلول ! ولكن الرسول [ ص ] كان حاسما في موقفه من دينه , لا يدهن فيه ولا يلين . وهو فيما عدا الدين ألين الخلق جانبا وأحسنهم معاملة وأبرهم بعشيرة وأحرصهم على اليسر والتيسير . فأما الدين فهو الدين ! وهو فيه عند توجيه ربه:(فلا تطع المكذبين)! ولم يساوم [ ص ] في دينه وهو في أحرج المواقف العصيبة في مكة . وهو محاصر بدعوته . وأصحابه القلائل يتخطفون ويعذبون ويؤذون في الله أشد الإيذاء وهم صابرون . ولم يسكت عن كلمة واحدة ينبغي أن تقال في وجوه الأقوياء المتجبرين , تأليفا لقلوبهم , أو دفعا لأذاهم . ولم يسكت كذلك عن إيضاح حقيقة تمس العقيدة من قريب أو من بعيد . . روى ابن هشام في السيرة عن ابن إسحاق قال: " فلما بادى رسول الله [ ص ] قومه بالإسلام . وصدع به كما أمره الله , لم يبعد منه قومه ولم يردوا عليه - فيما بلغني - حتى ذكر آلهتهم وعابها . فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه , وأجمعوا خلافه وعداوته - إلا من عصم الله تعالى منهم بالإسلام وهم قليل مستخفون - وحدب على رسول الله [ ص ] عمه أبو طالب ومنعه , وقام دونه , ومضى رسول الله [ ص ] على أمر الله مظهرا لأمره , لا يرده عنه شيء . " " فلما رأت قريش أن رسول الله [ ص ] لا يعتبهم من شيء أنكروه عليه من فراقهم وعيب آلهتهم , ورأوا أن عمه أبا طالب قد حدب عليه وقام دونه فلم يسلمه لهم , مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب . . عتبة وشيبة ابنا ربيعة , وأبو سفيان بن حرب بن أمية . وأبو البختري واسمه العاص بن هشام . والأسود بن عبد المطلب بن أسد . وأبو جهل "واسمه عمرو بن هشام وكان يكنى ابا الحكم" والوليد بن المغيرة , ونبيه ومنبه ابنا الحجاج بن عامر . . أو من مشى منهم . . فقالوا:يا أبا طالب . إن ابن أخيك قد سب آلهتنا , وعاب ديننا , وسفه أحلامنا , وضلل آباءنا , فإما أن تكفه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينه , فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه ; فنكفيكه ! فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا , وردهم ردا جميلا , فانصرفوا عنه . " " ومضى رسول الله [ ص ] على ما هو عليه:يظهر دين الله , ويدعو إليه . ثم شري الأمر بينه وبينهم حتى تباعدوا وتضاغنوا , وأكثرت قريش ذكر رسول الله [ ص ] وتذامروا فيه . وحض بعضهم بعضا عليه . ثم إنهم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى . فقالوا له:يا أبا طالب , إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا . وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا ; وإنا والله لا نصبر على هذا:من شتم آبائنا , وتسفيه أحلامنا , وعيب آلهتنا , حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين - أو كما قالوا له . . ثم انصرفوا عنه . فعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم , ولم يطب نفسا بإسلام رسول الله [ ص ] لهم ولا خذلانه . قال ابن إسحق:وحدثني يعقوب بن عقبة بن المغيرة بن الأخنس , أنه حدث , أن قريشا حين قالوا لأبي طالب هذه المقالة بعث إلى رسول الله [ ص ] فقال له:يا بن أخي . إن قومك قد جاءوني فقالوا لي:كذا وكذا "للذي كانوا قالوا له" فأبق علي وعلى نفسك , ولا تحملني من الأمر مالا أطيق . قال:فظن رسول الله [ ص ] أنه قد بدا لعمه فيه بداء , وأنه خاذله ومسلمه وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه . قال:فقال رسول الله [ ص ]:" يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته " . . قال:واستعبر رسول الله [ ص ] فبكى . ثم قام . فلما ولى ناداه أبو طالب فقال:أقبل يا بن أخي . قال:فأقبل عليه رسول الله [ ص ] فقال:اذهب يا بن أخي فقل ما أحببت , فوالله لا أسلمك لشيء أبدا " . فهذه صورة من إصرار النبي [ ص ] على دعوته في اللحظة التي تخلى عنه فيها عمه . حاميه وكافيه , وآخر حصن من حصون الأرض يمنعه المتربصين به المتذامرين فيه ! هذه هي صورة قوية رائعة جديدة في نوعها من حيث حقيقتها , ومن حيث صورها وظلالها ومن حيث عباراتها وألفاظها . . . جديدة جدة هذه العقيدة , رائعة روعة هذه العقيدة , قوية قوة هذه العقيدة . فيها مصداق قول الله العظيم:(وإنك لعلى خلق عظيم). وصورة أخرى رواها كذلك ابن إسحق , كانت في مساومة مباشرة من المشركين لرسول الله [ ص ] بعد إذ أعياهم أمره , ووثبت كل قبيلة على من أسلم منها تعذبه وتفتنه عن دينه . قال ابن إسحق:وحدثني يزيد بن زياد , عن محمد بن كعب القرظي , قال:حدثت أن عتبة بن ربيعة وكان سيدا , قال يوما وهو جالس في نادي قريش , ورسول الله [ ص ] جالس في المسجد وحده:يا معشر قريش . ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا ? وذلك حين أسلم حمزة , ورأوا أصحاب رسول الله [ ص ] يزيدون ويكثرون . فقالوا:يا أبا الوليد قم إليه فكلمه . فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله [ ص ] فقال:يا بن أخي . إنك منا حيث علمت:من السطة في العشيرة والمكان في النسب , وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم , فرقت به جماعتهم , وسفهت به أحلامهم , وعبت به آلهتهم ودينهم , وكفرت به من مضى من آبائهم . فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها , لعلك تقبل منها بعضها . قال:فقال له رسول الله [ ص ]:" قل يا أبا الوليد أسمع " . . قال:يا بن أخي . إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا . وإن كنت إنما تريد به شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك . وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا , وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه , فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه ! - أو كما قال له - حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله [ ص ] يستمع منه قال:" أقد فرغت يا أبا الوليد ? " قال:نعم . قال:" فاستمع مني " . قال:أفعل . فقال: بسم الله الرحمن الرحيم . حم . تنزيل من الرحمن السابق - التالي
|