ولقد كان كما صوره القرآن . كان عذابا مدمرا جبارا . وكان نذيرا صادقا بهذا العذاب . وهذا هو القرآن حاضرا , سهل التناول , ميسر الإدراك , فيه جاذبية ليقرأ ويتدبر . فيه جاذبية الصدق والبساطة , وموافقة الفطرة واستجاشة الطبع , لا تنفد عجائبه , ولا يخلق على كثرة الرد . وكلما تدبره القلب عاد منه بزاد جديد . وكلما صحبته النفس زادت له ألفة وبه أنسا:
(ولقد يسرنا القرآن للذكر , فهل من مدكر ?). .
وهذا هو التعقيب الذي يتكرر , بعد كل مشهد يصور . . ويقف السياق عنده بالقلب البشري يدعوه دعوة هادئة إلى التذكر والتدبر , بعد أن يعرض عليه حلقة من العذاب الأليم الذي حل بالمكذبين .
الدرس الثالث:18 - 22 لقطات من قصة عاد
(كذبت عاد , فكيف كان عذابي ونذر ? إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر , تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر . فكيف كان عذابي ونذر ? ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ?). .
وهذه هي الحلقة الثانية , أو المشهد الثاني من مشاهد التعذيب العنيف ; والمصرع الذي يقف عليه بعد وقفته على مصرع قوم نوح . أول المهلكين .
يبدؤه بالإخبار عن تكذيب عاد . وقبل أن يكمل الآية يسأل سؤال التعجيب والتهويل:(فكيف كان عذابي ونذر ?). . كيف كان بعد تكذيب عاد ? ثم يجيب . .
كان كما يصفه ذلك الوصف الخاطف الرعيب:
(إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر . تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر). . والريح الصرصر:الباردة العنيفة . وجرس اللفظ يصور نوع الريح . والنحس:الشؤم . وأي نحس يصيب قوما أشد مما أصاب عاد . والريح تنزعهم وتجذبهم وتحطمهم . فتدعهم كأنهم أعجاز نخل مهشمة مقلوعة من قعورها ?!
والمشهد مفزع مخيف , وعاصف عنيف . والريح التي أرسلت على عاد "هي من جند الله" وهي قوة من قوى هذا الكون , من خلق الله , تسير وفق الناموس الكوني الذي اختاره ; وهو يسلطها على من يشاء , بينما هي ماضية في طريقها مع ذلك الناموس , بلا تعارض بين خط سيرها الكوني , وأدائها لما تؤمر به وفق مشيئة الله . صاحب الأمر وصاحب الناموس:
(فكيف كان عذابي ونذر ?). .
يكررها بعد عرض المشهد . والمشهد هو الجواب !
ثم يختم الحلقة بالتعقيب المكرر في السورة وفق نسقها الخاص:
(ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ?). .
الدرس الرابع:23 - 32 لقطات من قصة ثمود
ثم يمضي إلى المشهد التالي في السياق وفي التاريخ:
كذبت ثمود بالنذر . فقالوا:أبشرا منا واحدا نتبعه ? إنا إذن لفي ضلال وسعر . أألقي الذكر عليه من بيننا ? بل هو كذاب أشر . سيعلمون غدا من الكذاب الأشر . إنا مرسلو الناقة فتنة لهم فارتقبهم واصطبر .