ونبئهم أن الماء قسمة بينهم , كل شرب محتضر . فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر . فكيف كان عذابي ونذر ? إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر . . ولقد يسرنا القرآن للذكر , فهل من مدكر ?). . وثمود كانت القبيلة التي خلفت عادا في القوة والتمكين في جزيرة العرب . . كانت عاد في الجنوب وكانت ثمود في الشمال . وكذبت ثمود بالنذر كما كذبت عاد , غير معتبرة بمصرعها المشهور المعلوم في أنحاء الجزيرة .
فقالوا:أبشرا منا واحدا نتبعه ? إنا إذن لفي ضلال وسعر . أألقي الذكر عليه من بيننا ? بل هو كذاب أشر . .
وهي الشبهة المكرورة التي تحيك في صدور المكذبين جيلا بعد جيل: (أألقي الذكر عليه من بيننا)? كما أنها هي الكبرياء الجوفاء التي لا تنظر إلى حقيقة الدعوة , إنما تنظر إلى شخص الداعية: (أبشرا منا واحدا نتبعه ?)!
وماذا في أن يختار الله واحدا من عباده . . والله أعلم حيث يجعل رسالته . . فيلقي عليه الذكر - أي الوحي وما يحمله من توجيهات للتذكر والتدبر - ماذا في هذا الاختيار لعبد من عباده يعلم منه تهيؤه واستعداده . وهو خالق الخلق . وهو منزل الذكر ? إنها شبهة واهية لا تقوم إلا في النفوس المنحرفة . النفوس التي لا تريد أن تنظر في الدعوى لترى مقدار ما فيها من الحق والصدق ; ولكن إلى الداعية فتستكبر عن اتباع فرد من البشر , مخافة أن يكون في اتباعها له إيثار وله تعظيم . وهي تستكبر عن الإذعان والتسليم .
ومن ثم يقولون لأنفسهم: أبشرا منا واحدا نتبعه ? إنا إذا لفي ضلال وسعر . . أي لو وقع منا هذا الأمر المستنكر ! وأعجب شيء أن يصفوا أنفسهم بالضلال لو اتبعوا الهدى ! وأن يحسبوا أنفسهم في سعر - لا في سعير واحد - إذا هم فاءوا إلى ظلال الإيمان !
ومن ثم يتهمون رسولهم الذي اختاره الله ليقودهم في طريق الحق والقصد . يتهمونه بالكذب والطمع: (بل هو كذاب أشر). . كذاب لم يلق عليه الذكر . أشر:شديد الطمع في اختصاص نفسه بالمكانة ! وهو الاتهام الذي يواجه به كل داعية . اتهامه بأنه يتخذ الدعوة ستارا لتحقيق مآرب ومصالح . وهي دعوى المطموسين الذين لا يدركون دوافع النفوس ومحركات القلوب .
وبينما يجري السياق على أسلوب الحكاية لقصة غبرت في التاريخ . . يلتفت فجأة وكأنما الأمر حاضر . والأحداث جارية . فيتحدث عما سيكون . ويهدد بهذا الذي سيكون:
(سيعلمون غدا من الكذاب الأشر)!
وهذه إحدى طرق العرض القرآنية للقصص . وهي طريقة تنفخ روح الحياة الواقعية في القصة , وتحيلها من حكاية تحكى , إلى واقعة تعرض على الأنظار , يترقب النظارة أحداثها الآن , ويرتقبونها في مقبل الزمان !
(سيعلمون غدا من الكذاب الأشر). . وسيكشف لهم الغد عن الحقيقة . ولن يكونوا بمنجاة من وقع هذه الحقيقة . فستكشف عن البلاء المدمر للكذاب الأشر !
إنا مرسلو الناقة فتنة لهم . فارتقبهم واصطبر . ونبئهم أن الماء قسمة بينهم . كل شرب محتضر . .
ويقف القارئ يترقب ما سيقع , عندما يرسل الله الناقة فتنة لهم , وامتحانا مميزا لحقيقتهم . ويقف الرسول - رسولهم عليه السلام - مرتقبا ما سيقع , مؤتمرا بأمر ربه في الاصطبار عليهم حتى تقع الفتنة ويتم الامتحان . ومعه التعليمات . . أن الماء في القبيلة قسمة بينهم وبين الناقة - ولا بد أنها كانت ناقة خاصة ذات خصائص معينة تجعلها آية وعلامة - فيوم لها ويوم لهم - تحضر يومها ويحضرون يومهم . وتنال شربها وينالون شربهم .