أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا مخلوقات الله المستعبدة له أنصارا لهم من دونه , ينصرونهم منه ويدفعون عنهم سلطانه ? إذن فليلقوا عاقبة هذا الحسبان: إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا . . ويا له من نزل مهيأ للاستقبال , لا يحتاج إلى جهد ولا انتظار . فهو حاضر ينتظر النزلاء الكفار !
الدرس السادس:103 خسارة الكافرين ولا وزن لهم في الآخرة ونجاح المؤمنين وتنعمهم في الجنة
ثم تختم السورة بالإيقاعات الأخيرة , تلخص خطوطها الكثيرة , وتجمع إيقاعاتها المتفرقة:
فأما الإيقاع الأول فهو الإيقاع حول القيم والموازين كما هي في عرف الضالين , وكما هي على وجه اليقين . . قيم الأعمال وقيم الأشخاص . .
(قل:هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا . الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ? أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا).
(قل:هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا)الذين لا يوجد من هم أشد منهم خسرانا ? (الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا)فلم يؤد بهم إلى الهدى , ولم ينته بهم إلى ثمرة أو غاية: (وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا)لأنهم من الغفلة بحيث لا يشعرون بضلال سعيهم وذهابه سدى , فهم ماضون في هذا السعي الخائب الضال , ينفقون حياتهم فيه هدرا . .
قل هل ننبئكم من هم هؤلاء ?
وعندما يبلغ من استتارة التطلع والانتظار إلى هذا الحد يكشف عنهم فإذا هم:
(أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم). .
وأصل الحبوط هو انتفاخ بطن الدابة حين تتغذى بنوع سام من الكلأ ثم تلقى حتفها . . وهو أنسب شيء لوصف الأعمال . . إنها تنتفخ وأصحابها يظنونها صالحة ناجحة رابحة . . ثم تنتهي إلى البوار !
(أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم). . (فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا). .
فهم مهملون , لا قيمة لهم ولا وزن في ميزان القيم الصحيحة (يوم القيامة). ولهم بعد ذلك جزاؤهم:
(ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا).
ويتم التعاون في المشهد بعرض كفة المؤمنين في الميزان وقيمتهم:
(إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا . خالدين فيها لا يبغون عنها حولا). .
وهذا النزل في جنات الفردوس في مقابل ذلك النزل في نار جهنم . وشتان شتان !
ثم هذه اللفتة الدقيقة العميقة إلى طبيعة النفس البشرية وإحساسها بالمتاع في قوله (لا يبغون عنها حولا). . وهي تحتاج منا إلى وقفة بإزاء ما فيها من عمق ودقة . .
إنهم خالدون في جنات الفردوس . . ولكن النفس البشرية حول قلب . تمل الإطراد , وتسأم البقاء على حال واحدة أو مكان واحد ; وإذا اطمأنت على النعيم من التغير والنفاد فقدت حرصها عليه . وإذا مضى على وتيرة واحدة فقد تسأمه . بل قد تنتهي إلى الضيق به ; والرغبة في الفرار منه !