وهم رقود . ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال . وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد . لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا , ولملئت منهم رعبا). وهو مشهد تصويري عجيب , ينقل بالكلمات هيئة الفتية في الكهف , كما يلتقطها شريط متحرك . والشمس تطلع على الكهف فتميل عنه كأنها متعمدة . ولفظ(تزاور)تصور مدلولها وتلقي ظل الإرادة في عملها . والشمس تغرب فتجاوزهم إلى الشمال وهم في فجوة منه . .
وقبل أن يكمل نقل المشهد العجيب يعلق على وضعهم ذاك بأحد التعليقات القرآنية التي تتخلل سياق القصص لتوجيه القلوب في اللحظة المناسبة :
(ذلك من آيات الله). . وضعهم هكذا في الكهف والشمس لا تنالهم بأشعتها وتقرب منهم بضوئها . وهم في مكانهم لا يموتون ولا يتحركون .
(من يهد الله فهو المهتد . ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا). . وللهدى والضلال ناموس . فمن اهتدى بآيات الله فقد هداه الله وفق ناموسه وهو المهتدي حقا . ومن لم يأخذ بأسباب الهدى ضل , وجاء ضلاله وفق الناموس الإلهي فقد أضله الله إذن , ولن تجد له من بعد هاديا .
ثم يمضي السياق يكمل المشهد العجيب . وهم يقلبون من جنب إلى جنب في نومتهم الطويلة . فيحسبهم الرائي أيقاظا وهم رقود . وكلبهم - على عادة الكلاب - باسط ذراعيه بالفناء قريبا من باب الكهف كأنه يحرسهم . وهم في هيئتهم هذه يثيرون الرعب في قلب من يطلع عليهم . إذ يراهم نياما كالأيقاظ , يتقلبون ولا يستيقظون . وذلك من تدبير الله كي لا يبعث بهم عابث , حتى يحين الوقت المعلوم .
الدرس الخامس:19 - 24 الأحداث بين إستيقاظهم وبناء المسجد عليهم وتوجيه للرسول بشأنهم
وفجأة تدب فيهم الحياة . فلننظر ولنسمع:
وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم . قال قائل منهم:كم لبثتم ? قالوا:لبثنا يوما أو بعض يوم . قالوا:ربكم أعلم بما لبثتم , فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة , فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا . إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم , ولن تفلحوا إذن أبدا . .
إن السياق يحتفظ بالمفاجأة في عرض القصة , فيعرض هذا المشهد , والفتية يستيقظون وهم لا يعرفون كم لبثوا منذ أن أدركهم النعاس . . إنهم يفركون أعينهم , ويلتفت أحدهم إلى الآخرين فيسأل:كم لبثتم ? كما يسأل من يستيقظ من نوم طويل . ولا بد أنه كان يحس بآثار نوم طويل . (قالوا:لبثنا يوما أو بعض يوم)!
ثم رأوا أن يتركوا هذه المسألة التي لا طائل وراء البحث فيها , ويدعو أمرها لله - شأن المؤمن في كل ما يعرض له مما يجهله - وأن يأخذوا في شأن عملي . فهم جائعون . ولديهم نقود فضية خرجوا بها من المدينة: (قالوا:ربكم أعلم بما لبثتم , فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة , فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه). . أي فليختر أطيب طعام في المدينة فليأتكم بشيء منه .