إقامتها كما ينبغي أن تقام ; إنما يؤدونها في أوقاتها كاملة الفرائض والسنن , مستوفية الأركان والآداب , حية يستغرق فيها القلب , وينفعل بها الوجدان . والصلاة صلة ما بين القلب والرب , فالذي لا يحافظ عليها لا ينتظر أن يحافظ على صلة ما بينه وبين الناس محافظة حقيقية مبعثها صدق الضمير . . ولقد بدأت صفات المؤمنين بالصلاة وختمت بالصلاة للدلالة على عظيم مكانتها في بناء الإيمان , بوصفها أكمل صورة من صور العبادة والتوجه إلى الله . تلك الخصائص تحدد شخصية المؤمنين المكتوب لهم الفلاح . وهي خصائص ذات أثر حاسم في تحديد خصائص الجماعة المؤمنة ونوع الحياة التي تحياها . الحياة الفاضلة اللائقة بالإنسان الذي كرمه الله ; وأراد له التدرج في مدارج الكمال . ولم يرد له أن يحيا حياة الحيوان , يستمتع فيها ويأكل كما تأكل الأنعام .
ولما كانت الحياة في هذه الأرض لا تحقق الكمال المقدر لبني الإنسان , فقد شاء الله أن يصل المؤمنون الذين ساروا في الطريق , إلى الغاية المقدرة لهم , هنالك في الفردوس , دار الخلود بلا فناء , والأمن بلا خوف , والاستقرار بلا زوال:
(أولئك هم الوارثون , الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون). .
وتلك غاية الفلاح الذي كتبه الله للمؤمنين . وليس بعدها من غاية تمتد إليها عين أو خيال . .
الدرس الثاني:12 - 16 رحلة الإنسان ما بين الميلاد والبعث ودلالتها على الإيمان
ومن صفات المؤمنين ينتقل إلى دلائل الإيمان في حياة الإنسان ذاته , وفي أطوار وجوده ونموه , مبتدئا بأصل النشأة الإنسانية , منتهيا إلى البعث في الآخرة مع الربط بين الحياتين في السياق:
(ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين . ثم جعلناه نطفة في قرار مكين . ثم خلقنا النطفة علقة , فخلقنا العلقة مضغة , فخلقنا المضغة عظاما , فكسونا العظام لحما . ثم أنشأناه خلقا آخر . فتبارك الله أحسن الخالقين . ثم إنكم بعد ذلك لميتون . ثم إنكم يوم القيامة تبعثون). .
وفي أطوار هذه النشأة , وتتابعها بهذا النظام , وبهذا الإطراد , ما يشهد بوجود المنشى ء أولا , وما يشهد بالقصد والتدبير في تلك النشأة وفي اتجاهها أخيرا . فما يمكن أن يكون الأمر مصادفة عابرة , ولا خبط عشواء بدون قصد ولا تدبير ; ثم تسير هذه السيرة التي لا تنحرف , ولا تخطيء , ولا تتخلف ; ولا تسير في طريق آخر من شتى الطرق التي يمكن عقلا وتصورا أن تسير فيها . إنما تسير النشأة الإنسانية في هذا الطريق دون سواه من شتى الطرق الممكنة بناء على قصد وتدبير من الإرادة الخالقة المدبرة في هذا الوجود .
كما أن في عرض تلك الأطوار بهذا التتابع الدقيق المطرد , ما يشير إلى أن الإيمان بالخالق المدبر , والسير على نهج المؤمنين الذي بينه في المقطع السابق . . هو وحده الطريق إلى بلوغ الكمال المقدر لتلك النشأة ; في الحياتين:الدنيا والآخرة . وهذا هو المحور الذي يجمع بين المقطعين في سياق السورة .
(ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين). . وهذا النص يشير إلى أطوار النشأة الإنسانية ولا يحددها . فيفيد أن الإنسان مر بأطوار مسلسلة , من الطين إلى الإنسان . فالطين هو المصدر الأول , أو الطور الأول . والإنسان هو الطور الأخير . . وهي حقيقة نعرفها من القرآن , ولا نطلب لها مصداقا من النظريات العلمية التي تبحث عن نشأة الإنسان , أو نشأة الأحياء .
إن القرآن يقرر هذه الحقيقة ليتخذها مجالا للتدبر في صنع الله , ولتأمل النقلة البعيدة بين الطين وهذا الإنسان