وكذلك لم يكن جرمكم أنكم كفرتم فحسب , واقتصرتم على أنفسكم بالكفر وهو جرم عظيم ; إنما بلغ بكم السفه والتوقح أن تسخروا ممن آمنوا , وراحوا يرجون غفران ربهم ورحمته ; وأن تضحكوا منهم حتى ليشغلكم هذا الهذر عن ذكر الله , ويباعد بينكم وبين التدبر والتفكر في دلائل الإيمان المبثوثة في صفحات الوجود . . فانظروا اليوم أين مكانكم ومكان أولئك الذين كنتم تسخرون منهم وتضحكون:
(إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون). .
وبعد هذا الرد القاسي المهين , وبيان أسبابه , وما في هذا البيان من ترذيل وتبكيت . . يبدأ استجواب جديد:
(قال:كم لبثتم في الأرض عدد سنين ?). .
وإن الله - سبحانه - ليعلم . ولكنه سؤال لاستصغار أمر الأرض , واستقصار أيامهم فيها , وقد باعوا بها حياة الخلود . . وإنهم ليحسون اليوم بقصر تلك الحياة وضآلتها . وإنهم ليائسون ضيقو الصدر , لا يعنيهم حسابها وعدتها:
(قالوا:لبثنا يوما أو بعض يوم . فاسأل العادين). .
وهي إجابة الضيق واليأس والأسى والقنوط !
والرد:إنكم لم تلبثوا إلا قليلا بالقياس إلى ما أنتم عليه مقبلون لو كنتم تحسنون التقدير:
(قال:إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون). .
ثم عودة إلى الترذيل والتعنيف على تكذيبهم بالآخرة , مع التبصير بحكمة البعث المكنونة منذ أول الخلق:
أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا ; وإنكم إلينا لا ترجعون ? . .
فحكمة البعث من حكمة الخلق . محسوب حسابها , ومقدر وقوعها , ومدبر غايتها . وما البعث إلا حلقة في سلسلة النشأة , تبلغ بها كمالها , ويتم فيها تمامها , ولا يغفل عن ذلك إلا المحجوبون المطموسون , الذين لا يتدبرون حكمة الله الكبرى ; وهي متجلية في صفحات الكون , مبثوثة في أطواء الوجود . .
الدرس الثاني:116 - 118 فلاح المؤمنين وخسارة الكافر ورحمة الله
وتنتهي سورة الإيمان بتقرير القاعدة الأولى للإيمان . . التوحيد . . وإعلان الخسارة الكبرى لمن يشركون بالله , في مقابل الفلاح في أول السورة للمؤمنين . وبالتوجه إلى الله في طلب الرحمة والغفران وهو أرحم الراحمين:
فتعالى الله الملك الحق , لا إله إلا هو رب العرش الكريم . ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه , إنه لا يفلح الكافرون . وقل:رب اغفر وارحم أنت خير الراحمين . .
هذا التعقيب يجيء بعد مشهد القيامة السابق ; وبعد ما حوته السورة قبل هذا المشهد من جدل وحجج ودلائل وبينات . . يجيء نتيجة طبيعية منطقية لكل محتويات السورة . وهو يشهد بتنزيه الله - سبحانه - عما يقولون ويصفون . ويشهد بأنه الملك الحق , والمسيطر الحق , الذي لا إله إلا هو . صاحب السسلطان والسيطرة والاستعلاء: (رب العرش الكريم).
وكل دعوى بألوهية أحد مع الله , فهي دعوى ليس معها برهان . لا من الدلائل الكونية , ولا من منطق