في صنعته . ويتبعه استخدام هذه الحواس والطاقات في تذوق الحياة والمتاع بها , بحس العابد لله في كل نشاط وكل متاع . (وهو الذي ذرأكم في الأرض). . فاستخلفكم فيها , بعد ما زودكم بالسمع والأبصار والأفئدة ; وأمدكم بالاستعدادات والطاقات الضرورية لهذه الخلافة . . (وإليه تحشرون). . فيحاسبكم على ما أحدثتم في هذه الخلافة من خير وشر , ومن صلاح وفساد , ومن هدى وضلال , فلستم بمخلوقين عبثا , ولا متروكين سدى ; إنما هي الحكمة والتدبير والتقدير .
(وهو الذي يحيي ويميت). . والحياة والموت حادثان يقعان في كل لحظة , وليس إلا الله يملك الموت والحياة . فالبشر - أرقى الخلائق - أعجز من بث الحياة في خلية واحدة , وأعجز كذلك من سلب الحياة سلبا حقيقيا عن حي من الأحياء . فالذي يهب الحياة هو الذي يعرف سرها , ويملك أن يهبها ويستردها . والبشر قد يكونون سببا وأداة لإزهاق الحياة , ولكنهم هم ليسوا الذين يجردون الحي من حياته على وجه الحقيقة . إنما الله هو الذي يحيي ويميت , وحده دون سواه .
(وله اختلاف الليل والنهار). . فهو الذي يملكه ويصرفه - كاختلاف الموت والحياة - وهو سنة كونية كسنة الموت والحياة . هذه في النفوس والأجساد , وهذه في الكون والأفلاك . وكما يسلب الحياة من الحي فيعتم جسده ويهمد , كذلك هو يسلب الضوء من الأرض فتعتم وتسكن . ثم تكون حياة ويكون ضياء , يختلف هذا على ذاك , بلا فتور ولا انقطاع إلا أن يشاء الله . . (أفلا تعقلون ?)وتدركون ما في هذا كله من دلائل على الخالق المدبر , المالك وحده لتصريف الكون والحياة ?
الدرس السابع:81 - 83 تسجيل بعض مقولات الكفار عن البعث
وهنا يعدل عن خطابهم وجدالهم , ليحكي مقولاتهم عن البعث والحساب , بعد كل هذه الدلائل والآيات:
بل قالوا مثلما قال الأولون . قالوا:أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعثون ? لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل . إن هذا إلا أساطير الأولين . .
وتبدو هذه القولة مستنكرة غريبة بعد تلك الآيات والدلائل الناطقة بتدبير الله , وحكمته في الخلق , فقد وهب الإنسان السمع والبصر والفؤاد ليكون مسؤولا عن نشاطه وعمله , مجزيا على صلاحه وفساده ; والحساب والجزاء يكونان على حقيقتهما في الآخرة , فالمشهود في هذه الأرض أن الجزاء قد لا يقع , لأنه متروك إلى موعده هناك .
والله يحيي ويميت ; فليس شيء من أمر البعث بعسير , والحياة تدب في كل لحظة , وتنشأ من حيث لا يدري إلا الله .
ولم يكف هؤلاء أن تقصر مداركهم عن إدراك حكمة الله , وقدرته على البعث , فإذا هم يسخرون مما يوعدون من البعث والجزاء . أن كان هذا الوعد قد قيل لهم ولآبائهم من قبل , ولم يقع بعد !
(لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل . إن هذا إلا أساطير الأولين). .
والبعث متروك لموعده الذي ضربه الله له , وفق تدبيره وحكمته , لا يستقدم ولا يستأخر , تلبية لطلب جيل من أجيال الناس , أو استهزاء جماعة من الغافلين المحجوبين !