من المخلوقات ناموس خاص لا يلتقي فيه بناموس عام يصرف الجميع . (ولعلا بعضهم على بعض)بغلبة سيطرته وتصريفه على الكون الذي لا يبقى ولا ينتظم إلا بناموس واحد , وتصريف واحد , وتدبير واحد . وكل هذه الصور لا وجود لها في الكون , الذي تشهد وحدة تكوينه بوحدة خالقه , وتشهد وحدة ناموسه بوحدة مدبره . وكل جزء فيه وكل شيء يبدو متناسقا مع الأجزاء الأخرى بلا تصادم ولا تنازع ولا اضطراب . . (سبحان الله عما يصفون). .
(عالم الغيب والشهادة)فليس لغيره من خلق يستقل به , ويعلم من دون الله أمره . (فتعالى عما يشركون).
الدرس العاشر:93 - 98 توجيهات للرسول للمفاصلة والإستعاذة من الشيطان
وعند هذا الحد يلتفت عن خطابهم وجدلهم وحكاية حالهم , إلى الرسول [ ص ] يأمره أن يتوجه إلى ربه مستعيذا به أن يجعله مع هؤلاء القوم - إن كان قد قدر له أن يرى تحقيق ما وعدهم به من العذاب . وأن يستعيذ به كذلك من الشياطين , فلا تثور نفسه , ولا يضيق صدره بما يقولون:
(قل:رب إما تريني ما يوعدون . رب فلا تجعلني في القوم الظالمين . وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون . ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون . وقل:رب أعوذ بك من همزات الشياطين . وأعوذ بك رب أن يحضرون). .
ورسول الله [ ص ] في منجاة من أن يجعله الله مع القوم الظالمين حين يحل بهم العذاب الأليم , ويتحقق ما يوعدون , ولكن هذا الدعاء زيادة في التوقي ; وتعليم لمن بعده ألا يأمنوا مكر الله , وأن يظلوا أبدا أيقاظا , وأن يلوذوا دائما بحماه .
والله قادر على أن يحقق ما وعد به الظالمين في حياة الرسول [ ص ]:
(وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون). .
ولقد أراه بعض ما وعدهم في غزوة بدر . ثم في الفتح العظيم .
فأما حين نزول هذه السورة - وهي مكية - فكان منهج الدعوة دفع السيئة بالتي هي أحسن ; والصبر حتى يأتي أمر الله ; وتفويض الأمر لله:
(ادفع بالتي هي أحسن السيئة . نحن أعلم بما يصفون).
واستعاذة الرسول [ ص ] من همزات الشياطين ودفعاتهم - وهو معصوم منها - زيادة كذلك في التوقي , وزيادة في الالتجاء إلى الله , وتعليم لأمته وهو قدوتها وأسوتها , أن يتحصنوا بالله من همزات الشياطين في كل حين . بل إن الرسول ليوجه إلى الاستعاذة بالله من مجرد قرب الشياطين , لا من همزاتهم ودفعاتهم:
(وأعوذ بك رب أن يحضرون). .
ويحتمل أن تكون الاستعاذة من حضورهم إياه ساعة الوفاة . ويرشح لهذا المعنى ما يتلوه في السياق: (حتى إذا جاء أحدهم الموت . . .)على طريقة القرآن في تناسق المعاني وتداعيها . .
الوحدة الرابعة:99 - 188 الموضوع:من مشاهد الإحتضار والبعث والحشر ومصير المؤمنين والكافرين