ولا غامضا ولا قابلا لأن يفتري عليه أحد من عنده ما يفتري , ويزعم أنه منه , كما يتصور أهل الجاهلية في أي زمان وفي أي مكان ! ولذلك يصم الله الذين ادعوا هذا الادعاء بالكفر . ثم يصمهم كذلك بأنهم لا يعقلون ! ولو كانوا يعقلون ما افتروا على الله . ولو كانوا يعقلون ما حسبوا أن يمر هذا الافتراء !
ثم يزيد هذه المفارقة في قولهم وفعلهم إيضاحا:
(وإذا قيل لهم:تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول , قالوا:حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا . أو لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون ? . .
إن ما شرعه الله بين . وهو محدد فيما أنزل الله ومبين بما سنه رسوله . . وهذا هو المحك . وهذه هي النقطة التي يفترق فيها طريق الجاهلية وطريق الإسلام . طريق الكفر وطريق الإيمان . . فإما أن يدعى الناس إلى ما أنزل الله بنصه وإلى الرسول ببيانه فيلبوا . . فهم إذن مسلمون . وإما أن يدعوا إلى الله والرسول فيأبوا . . فهم إذن كفار . . ولا خيار . .
وهؤلاء كانوا إذا قيل لهم:تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول , قالوا:حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا ! فاتبعوا ما شرعه العبيد , وتركوا ما شرعه رب العبيد . ورفضوا نداء التحرر من عبودية العباد للعباد , واختاروا عبودية العقل والضمير , للآباء والأجداد .
ثم يعقب السياق القرآني على موقفهم ذاك تعقيب التعجيب والتأنيب:
(أو لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون ?). .
وليس معنى هذا الاستنكار لاتباعهم لآبائهم ولو كانوا لا يعلمون شيئا ولا يهتدون , أن لو كان يعلمون شيئا لجاز لهم اتباعهم وترك ما أنزل الله وترك بيان الرسول ! إنما هذا تقرير لواقعهم وواقع آبائهم من قبلهم . فآباؤهم كذلك كانوا يتبعون ما شرعه لهم آباؤهم أو ما شرعوه هم لأنفسهم . ولا يركن أحد إلى شرع نفسه أو شرع أبيه , وبين يديه شرع الله وسنه رسوله , إلا وهو لا يعلم شيئا ولا يهتدي ! وليقل عن نفسه أو ليقل عنه غيره ما يشاء:إنه يعلم وإنه يهتدي . فالله - سبحانه - أصدق وواقع الأمر يشهد . . وما يعدل عن شرع الله إلى شرع الناس إلا ضال جهول ! فوق أنه مفتر كفور !
الدرس السادس:105 التميز والمفاصلة
فإذا انتهى من تقرير حال الذين كفروا وقولهم التفت إلى "الذين آمنوًا يقرر لهم انفصالهم وتميزهم ; ويبين لهم تكاليفهم وواجبهم ; ويحدد لهم موقفهم ممن سواهم ; ويكلهم إلى حساب الله وجزائه لا إلى أي مغنم في هذه الأرض أو مأرب .
(يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم , لا يضركم من ضل إذا اهتديتم , إلى الله مرجعكم جميعا , فينبئكم بما كنتم تعملون). .
إنه التميز والمفاصلة بينهم وبين من عداهم . ثم إنه التضامن والتواصي فيما بينهم بوصفهم أمة واحدة . (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم). .
أنتم وحدة منفصلون عمن سواكم , متضامنون متكافلون فيما بينكم . فعليكم أنفسكم . . عليكم أنفسكم فزكوها وطهروها ; وعليكم جماعتكم فالتزموها وراعوها ; ولا عليكم أن يضل غيركم إذا أنتم اهتديتم . فأنتم وحدة منفصلة