|
في ظلال القرآن
الكريم
المائدة من الاية 105 الى الاية 107 يَا أَيُّهَا الَّذöينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إöذَا اهْتَدَيْتُمْ إöلَى اللّهö مَرْجöعُكُمْ جَمöيعاً فَيُنَبّöئُكُم بöمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (105) يöا أَيُّهَا الَّذöينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنöكُمْ إöذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حöينَ الْوَصöيَّةö اثْنَانö ذَوَا عَدْلٍ مّöنكُمْ أَوْ آخَرَانö مöنْ غَيْرöكُمْ إöنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فöي الأَرْضö فَأَصَابَتْكُم مُّصöيبَةُ الْمَوْتö تَحْبöسُونَهُمَا مöن بَعْدö الصَّلاَةö فَيُقْسöمَانö بöاللّهö إöنö ارْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرöي بöهö ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللّهö إöنَّا إöذاً لَّمöنَ الآثöمöينَ (106) فَإöنْ عُثöرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إöثْماً فَآخَرَانö يöقُومَانُ مَقَامَهُمَا مöنَ الَّذöينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهöمُ الأَوْلَيَانö فَيُقْسöمَانö بöاللّهö لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مöن شَهَادَتöهöمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إöنَّا إöذاً لَّمöنَ الظَّالöمöينَ (107)
عمن عداكم ; وأنتم أمة متضامنة فيما بينها بعضكم أولياء بعض , ولا ولاء لكم ولا ارتباط بسواكم . إن هذه الآية الواحدة تقرر مبادى ء أساسية في طبيعة الأمة المسلمة , وفي طبيعة علاقاتها بالأمم الأخرى . إن الأمة المسلمة هي حزب الله . ومن عداها من الأمم فهم حزب الشيطان . ومن ثم لا يقوم بينها وبين الأمم الأخرى ولاء ولا تضامن , لأنه لا اشتراك في عقيدة ; ومن ثم لا اشتراك في هدف أو وسيلة ; ولا اشتراك في تبعة أو جزاء . وعلى الأمة المسلمة أن تتضامن فيما بينها ; وأن تتناصح وتتواصى , وأن تهتدي بهدي الله الذي جعل منها أمة مستقلة منفصلة عن الأمم غيرها . . ثم لا يضيرها بعد ذلك شيئا أن يضل الناس حولها ما دامت هي قائمة على الهدى . ولكن ليس معنى هذا أن تتخلى الأمة المسلمة عن تكاليفها في دعوة الناس كلهم إلى الهدى . والهدى هو دينها هي وشريعتها ونظامها . فإذا هي أقامت نظامها في الأرض بقي عليها أن تدعو الناس كافة , وأن تحاول هدايتهم , وبقي عليها أن تباشر القوامة على الناس كافة لتقيم العدل بينهم ; ولتحول بينهم وبين الضلال والجاهلية التي منها أخرجتهم . . إن كون الأمة المسلمة مسؤولة عن نفسها أمام الله لا يضيرها من ضل إذا اهتدت , لا يعني أنها غير محاسبة على التقصير في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما بينها أولا , ثم في الأرض جميعا . وأول المعروف الإسلام لله وتحكيم شريعته ; وأول المنكر الجاهلية والاعتداء على سلطان الله وشريعته . وحكم الجاهلية هو حكم الطاغوت , والطاغوت هو كل سلطان غير سلطان الله وحكمه . . والأمة المسلمة قوامة على نفسها أولا ; وعلى البشرية كلها أخيرا . وليس الغرض من بيان حدود التبعة في الآية كما فهم بعضهم قديما - وكما يمكن أن يفهم بعضهم حديثا - أن المؤمن الفرد غير مكلف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - إذا اهتدى هو بذاته - ولا أن الأمة المسلمة غير مكلفة إقامة شريعة الله في الأرض - إذا هي اهتدت بذاتها - وضل الناس من حولها . إن هذه الآية لا تسقط عن الفرد ولا عن الأمة التبعة في كفاح الشر , ومقاومة الضلال ومحاربة الطغيان - وأطغى الطغيان الاعتداء على ألوهية الله واغتصاب سلطانه وتعبيد الناس لشريعة غير شريعته , وهو المنكر الذي لا ينفع الفرد ولا ينفع الأمة أن تهتدي وهذا المنكر قائم . ولقد روى أصحاب السنن أن أبا بكر - رضي الله عنه - قام فحمد الله وأثنى عليه , ثم قال:أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية: يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم . . وإنكم تضعونها على غير موضعها وإني سمعت رسول الله [ ص ] يقول:" إن الناس إذا رأوا المنكر , ولا يغيرونه , يوشك الله عز وجل أن يعمهم بعقابه " . وهكذا صحح الخليفة الأول - رضوان الله عليه - ما ترامى إلى وهم بعض الناس في زمانه من هذه الآية الكريمة . ونحن اليوم أحوج إلى هذا التصحيح , لأن القيام بتكاليف التغيير للمنكر قد صارت أشق . فما أيسر ما يلجأ الضعاف إلى تأويل هذه الآية على النحو الذي يعفيهم من تعب الجهاد ومشاقه , ويريحهم من عنت الجهاد وبلائه ! وكلا والله ! إن هذا الدين لا يقوم إلا بجهد وجهاد . ولا يصلح إلا بعمل وكفاح . ولا بد لهذا الدين من أهل يبذلون جهدهم لرد الناس إليه , ولإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده , ولتقرير ألوهية الله في الأرض , ولرد المغتصبين لسلطان الله عما اغتصبوه من هذا السلطان , ولإقامة شريعة الله في حياة الناس , وإقامة الناس عليها . . لا بد من جهد . بالحسنى حين يكون الضالون أفرادا ضالين , يحتاجون إلى الإرشاد والإنارة . وبالقوة حين تكون القوة الباغية في طريق الناس هي التي تصدهم عن الهدى ; وتعطل دين الله أن يوجد , وتعوق شريعة الله أن تقوم . وبعد ذلك - لا قبله - تسقط التبعة عن الذين آمنوا , وينال الضالون جزاءهم من الله حين يرجع هؤلاء وهؤلاء إليه: (إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون). الدرس السابع:106 أحكام خاصة بالوصية والشهادة والآن يجيء الحكم الأخير من الأحكام الشرعية التي تتضمنها السورة , في بيان بعض أحكام المعاملات في المجتمع المسلم , وهو الخاص بتشريع الإشهاد على الوصية في حالة الضرب في الأرض , والبعد عن المجتمع والضمانات التي تقيمها الشريعة ليصل الحق إلى أهله . يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت - حين الوصية - اثنان ذوا عدل منكم , أو آخران من غيركم , إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت , تحبسونهما من بعد الصلاة , فيقسمان بالله - إن ارتبتم - لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى , ولا نكتم شهادة الله , إنا إذا لمن الآثمين . فإن عثر على أنهما استحقا إثما فالآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم . . الأوليان . . فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما , وما اعتدينا , إنا إذن لمن الظالمين . ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها , أو يخافوا أن ترد إيمان بعد أيمانهم ; واتقوا الله واسمعوا , والله لا يهدي القوم الفاسقين . . وبيان هذا الحكم الذي تضمنته الآيات الثلاث:أن على من يحس بدنو أجله , ويريد أن يوصي لأهله بما يحضره من المال , أن يستحضر شاهدين عدلين من المسلمين إن كان في الحضر , ويسلمهما ما يريد أن يسلمه لأهله غير الحاضرين . فأما إذا كان ضاربا في الأرض , ولم يجد مسلمين يشهدهما ويسلمهما ما معه , فيجوز أن يكون الشاهدان من غير المسلمين . فإن ارتاب المسلمون - أو ارتاب أهل الميت - في صدق ما يبلغه الشاهدان وفي أمانتهما في أداء ما استحفظا عليه , فإنهم يوقفونهما بعد أدائهما للصلاة - حسب عقيدتهما - ليحلفا بالله , أنهما لا يتوخيان بالحلف مصلحة لهما ولا لأحد آخر , ولو كان ذا قربى , ولا يكتمان شيئا مما استحفظا عليه . . وإلا كانا من الآثمين . . وبذلك تنفذ شهادتهما . فإذا ظهر بعد ذلك أنهما ارتكبا إثم الشهادة الكاذبة واليمين الكاذبة والخيانة للأمانة . قام أولى اثنين من أهل الميت بوراثته , من الذين وقع عليهم هذا الإثم , بالحلف بالله أن شهادتهما أحق من شهادة الشاهدين الأولين . وأنهما لم يعتديا بتقريرهما هذه الحقيقة . وبذلك تبطل شهادة الأولين , وتنفذ الشهادة الثانية . ثم يقول النص:إن هذه الإجراءات أضمن في أداء الشهادة بالحق ; أو الخوف من رد أيمان الشاهدين الأولين , مما يحملهما على تحري الحق . (ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها , أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم). وينتهي إلى دعوة الجميع إلى تقوى الله , ومراقبته وخشيته , والطاعة لأوامره , لأن الله لا يهدي من يفسقون عن طريقه , إلى خير ولا إلى هدى: السابق - التالي
|