(واتقوا الله واسمعوا . والله لا يهدي القوم الفاسقين). . قال القرطبي في تفسيره عن سبب نزول هذه الآيات الثلاث:
" . . . ولا أعلم خلافا أن هذه الآيات الثلاث نزلت بسبب تميم الداري , وعدي بن بداء روي البخاري والدارقطني وغيرهما عن ابن عباس قال:كان تميم الداري وعدي بن بداء , يختلفان إلى مكة ; فخرج معهما فتى من بني سهم , فتوفي بأرض ليس بها مسلم , فأوصى إليهما , فدفعا تركته إلى أهله , وحبسا جاما من فضة مخوصا بالذهب . فاستحلفهما رسول الله [ ص ]:" ما كتمتما ولا اطلعتما " . ثم وجد الجام بمكة . فقالوا:اشتريناه من عدي وتميم . فجاء رجلان من ورثة السهمي فحلفا أن هذا الجام للسهمي , ولشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا . قال:فأخذ الجام . وفيهم نزلت هذه الآية . . [ لفظ الدارقطني ] . "
وواضح أن لطبيعة المجتمع الذي نزلت هذه الأحكام لتنظيمه دخلا في شكل الإجراءات . وربما في طبيعة هذه الإجراءات . فالإشهاد والائتمان على هذا النحو , ثم الحلف بالله في مجتمع بعد الصلاة . لاستجاشة الوجدان الديني , والتحرج كذلك من الفضيحة في المجتمع عند ظهور الكذب والخيانة . . كلها تشي بسمات مجتمع خاص . تفي بحاجاته وملابساته هذه الإجراءات .
ولقد تملك المجتمعات اليوم وسائل أخرى للإثبات , وأشكالا أخرى من الإجراءات , كالكتابة والتسجيل والإيداع في المصارف . . وما إليها . .
ولكن . أو فقد هذا النص قدرته على العمل في المجتمعات البشرية ?
إننا كثيرا ما نخدع بيئة معينة , فنظن أن بعض التشريعات وبعض الإجراءات قد فقدت فاعليتها , ولم تعد لها ضرورة , وأنها من مخلفات مجتمعات مضى زمنها ! لأن البشرية استجدت وسائل أخرى !
أجل كثيرا ما نخدع فننسى أن هذا الدين جاء للبشرية جميعا , في كل أقطارها , وفي كل أعصارها .
وأن كثيرة ضخمة من هذه البشرية اليوم ما تزال بدائية أو متدرجة من البداوة . وأنها في حاجة إلى أحكام وإجراءات تواكب حاجاتها في جميع أشكالها وأطوارها , وأنها تجد في هذا الدين ما يلبي هذه الحاجات في كل حالة . وأنها حين ترتقي من طور إلى طور تجد في هذا الدين كفايتها كذلك بنفس النسبة ; وتجد في شريعته ما يلبي حاجاتها الحاضرة , ثم يرتقي بها إلى تلبية حاجاتها المتطورة . . وأن هذه معجزة هذا الدين ومعجزة شريعته ; وآية أنه من عند الله , وأنها من اختياره سبحانه .
على أننا نخدع كذلك مرة أخرى حين ننسى الضرورات التي يقع فيها الأفراد من البيئات التي تجاوزت هذه الأطوار ; والتي يسعفهم فيها يسر هذه الشريعة وشمولها , ووسائل هذا الدين المعدة للعمل في كل بيئة وفي كل حالة . في البدو والحضر . في الصحراء والغابة . لأنه دين البشرية كلها في جميع أعصارها وأقطارها . . وتلك أيضا إحدى معجزاته الكبرى . .
إننا نخدع حين نتصور أننا - نحن البشر - أبصر بالخلق من رب الخلق . . فتردنا الوقائع إلى التواضع ! وما أولانا أن نتذكر قبل أن تصدمنا الأحداث . وأن نعرف أدب البشر في حق خالق البشر . . أدب العبيد في حق رب العبيد . . لو كنا نتذكر ونعرف , ونثوب . .