لم يستطيعوا إنكار وقوعها - وقد شهدتها الألوف - ولم يريدوا التسليم بدلالتها عنادا وكبرا . . حمايته منهم فلم يقتلوه - كما أرادوا ولم يصلبوه . بل توفاه الله ورفعه إليه . . كذلك يذكره بنعمة الله عليه في إلهام الحواريين أن يؤمنوا بالله وبرسوله ; فإذا هم ملبون مستسلمون , يشهدونه على إيمانهم وإسلامهم أنفسهم كاملة لله:(وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي . قالوا:آمنا واشهد بأننا مسلمون). . إنها النعم التي آتاها الله عيسى بن مريم , لتكون له شهادة وبينة . فإذا كثرة من أتباعه تتخذ منها مادة للزيغ ; وتصوغ منها وحولها الأضاليل - فها هو ذا عيسى يواجه بها على مشهد من الملأ الأعلى , ومن الناس جميعا , ومنهم قومه الغالون فيه . . ها هو ذا يواجه بها ليسمع قومه ويروا ; وليكون الخزي أوجع وأفضح على مشهد من العالمين !
الدرس الثالث:112 عيسى والحواريون والمائدة
ويستطرد السياق في معرض النعم على عيسى بن مريم وأمه , إلى شيء من نعمة الله على قومه , ومن معجزاته التي أيده الله بها وشهدها بها الحواريون:
(إذ قال الحواريون:يا عيسى ابن مريم , هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء ? قال:اتقوا الله إن كنتم مؤمنين . قالوا:نريد أن نأكل منها , وتطمئن قلوبنا , ونعلم أن قد صدقتنا , ونكون عليها من الشاهدين . قال عيسى ابن مريم:اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا , وآية منك , وارزقنا وأنت خير الرازقين . قال الله:إني منزلها عليكم , فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين). .
ويكشف لنا هذا الحوار عن طبيعة قوم عيسى . . المستخلصين منهم وهم الحواريون . . فإذا بينهم وبين أصحاب رسولنا [ ص ] فرق بعيد . .
إنهم الحواريون الذين ألهمهم الله الإيمان به وبرسوله عيسى . فآمنوا . وأشهدوا عيسى على إسلامهم . . ومع هذا فهم بعدما رأوا من معجزات عيسى ما رأوا , يطلبون خارقة جديدة . تطمئن بها نفوسهم . ويعلمون منها أنه صدقهم . ويشهدون بها له لمن وراءهم .
فأما أصحاب محمد [ ص ] فلم يطلبوا منه خارقة واحدة بعد إسلامهم . . لقد آمنت قلوبهم واطمأنت منذ أن خالطتها بشاشة الإيمان . ولقد صدقوا رسولهم فلم يعودوا يطلبون على صدقه بعد ذلك البرهان . ولقد شهدوا له بلا معجزة إلا هذا القرآن . .
هذا هو الفارق الكبير بين حواريي عيسى عليه السلام - وحواريي محمد [ ص ] ذلك مستوى , وهذا مستوى . . وهؤلاء مسلمون وأولئك مسلمون . . وهؤلاء مقبولون عند الله وهؤلاء مقبولون . . ولكن تبقي المستويات متباعدة كما أرادها الله . .
وقصة المائدة - كما أوردها القرآن الكريم - لم ترد في كتب النصارى . ولم تذكر في هذه الأناجيل التي كتبت متأخرة بعد عيسى - عليه السلام - بفترة طويلة , لا يؤمن معها على الحقيقة التي تنزلت من عند الله . وهذه الأناجيل ليست إلا رواية بعض القديسين عن قصة عيسى - عليه السلام - وليست هي ما أنزله الله عليه وسماه الإنجيل الذي آتاه . .
ولكن ورد في هذه الأناجيل خبر عن المائدة في صورة أخرى:فورد في إنجيل متى في نهاية الإصحاح الخامس عشر:"وأما يسوع فدعا تلاميذه , وقال:إني أشفق على الجميع , لأن لهم الآن ثلاثة أيام يمشون