|
في ظلال القرآن
الكريم
المائدة من الاية 115 الى الاية 115 قَالَ اللّهُ إöنّöي مُنَزّöلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مöنكُمْ فَإöنّöي أُعَذّöبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذّöبُهُ أَحَداً مّöنَ الْعَالَمöينَ (115)
معي , وليس لهم ما يأكلون . ولست أريد أن أصرفهم صائمين لئلا يخوروا في الطريق . فقال له تلاميذه:من أين لنا في البرية خبز بهذا المقدار حتى يشبع جمعا هذا عدده ? فقال لهم يسوع:كم عندكم من الخبز ? فقالوا:سبعة وقليل من صغار السمك . فأمر الجموع أن يتكئوا على الأرض ; وأخذ السبع خبزات والسمك , وشكر وكسر , وأعطى تلاميذه , والتلاميذ أعطوا الجمع , فأكل الجمع وشبعوا , ثم رفعوا ما فضل من الكسر سبعة سلال مملوءة , والآكلون كانوا أربعة الآف , ما عدا النساء والأولاد" . . . وورد مثل هذه الرواية في سائر الأناجيل . . وبعض التابعين - رضوان الله عليهم - كمجاهد والحسن - يريان أن المائدة لم تنزل . لأن الحواريين حينما سمعوا قول الله سبحانه: (إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين). . خافوا وكفوا عن طلب نزولها: قال ابن كثير في التفسير:"روى الليث بن أبى سليم عن مجاهد قال:"هو مثل ضربة الله ولم ينزل شيء " [ رواه ابن أبى حاتم وابن جرير ] . ثم قال ابن جرير:حدثنا الحارث , حدثنا القاسم - هو ابن سلام - حدثنا حجاج عن ابن جريج عن مجاهد قال:مائدة عليها طعام أبوها حين عرض عليهم العذاب إن كفروا , فأبوا أن تنزل عليهم . . وقال أيضا ; حدثنا أبو المثنى , حدثنا محمد بن جعفر , حدثنا شعبة , عن منصور بن زاذان , عن الحسن , أنه قال في المائدة:إنها لم تنزل . . وحدثنا بشر , حدثنا يزيد , حدثنا سعيد , عن قتادة , قال:كان الحسن يقول:لما قيل لهم: (فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدًا من العالمين)قالوا:لا حاجة لنا فيها , فلم تنزل" . ولكن أكثر آراء السلف على أنها نزلت . لأن الله تعالى قال: (إني منزلها عليكم). ووعد الله حق . وما أورده القرآن الكريم عن المائدة هو الذي نعتمده في أمرها دون سواه . . إن الله - سبحانه - يذكر عيسى بن مريم - في مواجهة قومه يوم الحشر وعلى مشهد من العالمين - بفضله عليه: إذ قال الحواريون:يا عيسى ابن مريم , هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء ? . . لقد كان الحواريون - وهم تلاميذ المسيح وأقرب أصحابه إليه وأعرفهم به - يعرفون أنه بشر . . ابن مريم . . وينادونه بما يعرفونه عنه حق المعرفة . وكانوا يعرفون أنه ليس ربا وإنما هو عبد مربوب لله . وأنه ليس ابن الله , إنما هو ابن مريم ومن عبيدالله ; وكانوا يعرفون كذلك أن ربه هو الذي يصنع تلك المعجزات الخوارق على يديه , وليس هو الذي يصنعها من عند نفسه بقدرته الخاصة . . لذلك حين طلبوا إليه , أن تنزل عليهم مائدة من السماء , لم يطلبوها منه , فهم يعرفون أنه بذاته لا يقدر على هذه الخارقة . وإنما سألوه: (يا عيسى ابن مريم , هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء ?). . واختلفت التأويلات في قولهم: (هل يستطيع ربك). . كيف سألوا بهذه الصيغة بعد إيمانهم بالله وإشهاد عيسى - عليه السلام - على إسلامهم له . وقيل:إن معنى يستطيع ليس [ يقدر ] ولكن المقصود هو لازم الاستطاعة وهو أن ينزلها عليهم . وقيل:إن معناها:هل يستجيب لك إذا طلبت . وقرئت:"هل تستطيع ربك" . بمعنى هل تملك أنت أن تدعو ربك لينزل علينا مائدة من السماء . . وعلى أية حال فقد رد عليهم عيسى - عليه السلام - محذرا إياهم من طلب هذه الخارقة . . لأن المؤمنين لا يطلبون الخوارق , ولا يقترحون على الله . (قال:اتقوا الله إن كنتم مؤمنين). . ولكن الحواريين كرروا الطلب , معلنين عن علته وأسبابه وما يرجون من ورائه:(قالوا:نريد أن نأكل منها , وتطمئن قلوبنا , ونعلم أن قد صدقتنا , ونكون عليها من الشاهدين). فهم يريدون أن يأكلوا من هذا الطعام الفريد الذي لا نظير له عند أهل الأرض . وتطمئن قلوبهم برؤية هذه الخارقة وهي تتحقق أمام أعينهم ; ويستيقنوا أن عيسى عليه السلام قد صدقهم , ثم يكونوا شهودا لدى بقية قومهم على وقوع هذه المعجزة . وكلها أسباب كما قلنا تصور مستوى معينا دون مستوى أصحاب محمد [ ص ] فهؤلاء طراز آخر بالموازنة مع هذا الطراز ! عندئذ اتجه عيسى - عليه السلام - إلى ربه يدعوه: (قال عيسى ابن مريم:اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا , وآية منك , وارزقنا وأنت خير الرازقين). . وفي دعاء عيسى - بن مريم - كما يكرر السياق القرآني هذه النسبة - أدب العبد المجتبي مع إلهه ومعرفته بربه . فهو يناديه:يا الله . يا ربنا . إنني أدعوك أن تنزل علينا مائدة من السماء , تعمنا بالخير والفرحة كالعيد , فتكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا ; وأن هذا من رزقك فارزقنا وأنت خير الرازقين . . فهو إذن يعرف أنه عبد ; وأن الله ربه . وهذا الاعتراف يعرض على مشهد من العالمين , في مواجهة قومه , يوم المشهد العظيم ! واستجاب الله دعاء عبده الصالح عيسى بن مريم ; ولكن بالجد اللائق بجلاله سبحانه . . لقد طلبوا خارقة . واستجاب الله . على أن يعذب من يكفر منهم بعد هذه الخارقة عذابا شديدا بالغا في شدته لا يعذبه أحدا من العالمين: (قال الله:إني منزلها عليكم , فمن يكفر بعد منكم , فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين). . فهذا هو الجد اللائق بجلال الله ; حتى لا يصبح طلب الخوارق تسلية ولهوا . وحتى لا يمضي الذين يكفرون بعد البرهان المفحم دون جزاء رادع ! وقد مضت سنة الله من قبل بهلاك من يكذبون بالرسل بعد المعجزة . . فأما هنا فإن النص يحتمل أن يكون هذا العذاب في الدنيا , أو أن يكون في الآخرة . الدرس الرابع:116 - 120 تبرؤ عيسى من عابديه وبيان كذبهم عليه ويسكت السياق بعد وعد الله وتهديده . . ليمضي إلى القضية الأساسية . . قضية الألوهية والربوبية . . وهي القضية الواضحة في الدرس كله . . فلنعد إلى المشهد العظيم فهو ما يزال معروضا على أنظار العالمين . لنعد إليه فنسمع استجوابا مباشرا في هذه المرة في مسألة الألوهية المدعاة لعيسى بن مريم وأمه . استجوابا يوجه إلى عيسى - عليه السلام في مواجهة الذين عبدوه . ليسمعوه وهو يتبرأ إلى ربه في دهش وفزع من هذه الكبيرة التي افتروها عليه وهو منها برى ء: وإذ قال الله:يا عيسى ابن مريم , أأنت قلت للناس:اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ? قال:سبحانك:ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق . إن كنت قلته فقد علمته , تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك , إنك أنت علام الغيوب . ما قلت لهم إلا ما أمرتني به:أن اعبدوا الله ربي وربكم , وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم , فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم , وأنت على كل شيء شهيد . إن تعذبهم فإنهم عبادك , وإن السابق - التالي
|