تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم). . وإن الله - سبحانه - ليعلم ماذا قال عيسى للناس . ولكنه الاستجواب الهائل الرهيب في اليوم العظيم الموهوب:الاستجواب الذي يقصد به إلى غير المسؤول ; ولكن في صورته هذه وفي الإجابة عليه ما يزيد من بشاعة موقف المؤلهين لهذا العبد الصالح الكريم . .
إنها الكبيرة التي لا يطيق بشر عادي أن يقذف بها . . أن يدعي الألوهية وهو يعلم أنه عبد . . فكيف برسول من أولي العزم ? كيف بعيسى بن مريم ; وقد أسلف الله له هذه النعم كلها بعد ما اصطفاه بالرسالة وقبل ما اصطفاه ? كيف به يواجه استجوابا عن ادعاء الألوهية , وهو العبد الصالح المستقيم ?
من أجل ذلك كان الجواب الواجف الراجف الخاشع المنيب . . يبدأ بالتسبيح والتنزيه:
(قال:سبحانك !).
ويسرع إلى التبرؤ المطلق من أن يكون من شأنه هذا القول أصلا:
(ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق).
ويستشهد بذات الله سبحانه على براءته ; مع التصاغر أمام الله وبيان خصائص عبوديته وخصائص ألوهية ربه:
(إن كنت قلته فقد علمته , تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك . إنك أنت علام الغيوب). .
وعندئذ فقط , وبعد هذه التسبيحة الطويلة يجرؤ على الإثبات والتقرير فيما قاله وفيما لم يقله , فيثبت أنه لم يقل لهم إلا أن يعلن عبوديته وعبوديتهم لله ويدعوهم إلى عبادته:
(ما قلت لهم إلا ما أمرتني به:أن اعبدوا الله ربي وربكم).
ثم يخلي يده منهم بعد وفاته . . وظاهر النصوص القرآنية يفيد أن الله - سبحانه - قد توفى عيسى بن مريم ثم رفعه إليه . وبعض الآثار تفيد أنه حي عند الله . وليس هنالك - فيما أرى - أي تعارض يثير أي استشكال بين أن يكون الله قد توفاه من حياة الأرض , وأن يكون حيا عنده . فالشهداء كذلك يموتون في الأرض وهم أحياء عند الله . أما صورة حياتهم عنده فنحن لا ندري لها كيفا . وكذلك صورة حياة عيسى - عليه السلام - وهو هنا يقول لربه:إنني لا أدري ماذا كان منهم بعد وفاتي:
(وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم , فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد). .
وينتهي إلى التفويض المطلق في أمرهم ; مع تقرير عبوديتهم لله وحده . وتقرير قوة الله على المغفرة لهم أو عذابهم ; وحكمته فيما يقسم لهم من جزاء سواء كان هو المغفرة أو العذاب:
(إن تعذبهم فإنهم عبادك , وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم). .
فيالله للعبد الصالح في موقفه الرهيب !
وأين أولئك الذين أطلقوا هذه الفرية الكبيرة ; التي يتبرأ منها العبد الطاهر البريء ذلك التبرؤ الواجف , ويبتهل من أجلها إلى ربه هذا الابتهال المنيب ?
أين هم في هذا الموقف , في هذا المشهد ? . . إن السياق لا يلقي إليهم التفاته واحدة . فلعلهم يتذاوبون خزيا وندما . فلندعهم حيث تركهم السياق ! لنشهد ختام المشهد العجيب:
(قال الله:هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم . لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا , رضي