يَهْدöي بöهö اللّهُ مَنö اتَّبَعَ رöضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمö وَيُخْرöجُهُم مّöنö الظُّلُمَاتö إöلَى النُّورö بöإöذْنöهö وَيَهْدöيهöمْ إöلَى صöرَاطٍ مُّسْتَقöيمٍ (16)
وما أحوجنا نحن الآن أن ندرك هذه الحقيقة ; والجاهلية من حولنا ومن بيننا تذيق البشرية الويلات . . من كل ألوان الحرب في الضمائر والمجتمعات قرونا بعد قرون !
ما أحوجنا نحن الذين عشنا في هذا السلام فترة من تاريخنا ; ثم خرجنا من السلام إلى الحرب التي تحطم أرواحنا وقلوبنا , وتحطم أخلاقنا وسلوكنا , وتحطم مجتمعاتنا وشعوبنا . . بينما نملك الدخول في السلم التي منحها الله لنا ; حين نتبع رضوانه ; ونرضى لأنفسنا ما رضيه الله لنا
إننا نعاني من ويلات الجاهلية ; والإسلام منا قريب . ونعاني من حرب الجاهلية وسلام الإسلام في متناول أيدينا لو نشاء . . فأية صفقة خاسرة هذه التي نستبدل فيها الذي هو أدني بالذي هو خير ? ونشتري فيها الضلالة بالهدى ? ونؤثر فيها الحرب على السلام ?
إننا نملك إنقاذ البشرية من ويلات الجاهلية وحربها المشبوبة في شتى الصور والألوان . ولكننا لا نملك إنقاذ البشرية , قبل أن ننقذ نحن أنفسنا , وقبل أن نفيء إلى ظلال السلام , حين نفيء إلى رضوان الله ونتبع ما ارتضاه . فنكون من هؤلاء الذين يقول الله عنهم إنه يهديهم سبل السلام .
(ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه). .
والجاهلية كلها ظلمات . . ظلمة الشبهات والخرافات والأساطير والتصورات . وظلمة الشهوات والنزعات والاندفاعات في التيه . وظلمة الحيرة والقلق والانقطاع عن الهدى والوحشة من الجناب الآمن المأنوس . وظلمة اضطراب القيم وتخلخل الأحكام والقيم والموازين . والنور هو النور . . هو ذلك النور الذي تحدثنا عنه آنفا في الضمير وفي العقل وفي الكيان وفي الحياة وفي الأمور . .
يهديهم إلى صراط مستقيم . .
مستقيم مع فطرة النفس ونواميسها التي تحكمها . مستقيم مع فطرة الكون ونواميسه التي تصرفه . مستقيم إلى الله لا يلتوي ولا تلتبس فيه الحقائق والاتجاهات والغايات . .
إن الله الذي خلق الإنسان وفطرته ; وخلق الكون ونواميسه ; هو الذي وضع للإنسان هذا المنهج ; وهو الذي رضي للمؤمنين هذا الدين . فطبيعي وبديهي أن يهديهم هذا المنهج إلى الصراط المستقيم , حيث لا يهديهم منهج غيره من صنع البشر العاجزين الجهال الفانين !
وصدق الله العظيم . الغني عن العالمين . الذي لا يناله من هداهم أو ضلالهم شيء ولكنه بهم رحيم !
ذلك هو الصراط المستقيم . فأما القول بأن الله هو المسيح بن مريم فهو الكفر ; وأما القول بأن اليهود والنصارى هم أبناء الله وأحباؤه , فهو الافتراء الذي لا يستند إلى دليل . . وهذا وذلك من مقولات أهل الكتاب , التي تخفي نصاعة التوحيد ; والتي جاءهم الرسول الأخير ليكشف عن الحقيقة فيها , ويرد الشاردين المنحرفين عن هذه الحقيقة إليها:
(لقد كفر الذين قالوا:إن الله هو المسيح ابن مريم . قل:فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ? ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما , يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير). .
إن الذي جاء به عيسى - عليه السلام - من عند ربه هو التوحيد الذي جاء به كل رسول .
والإقرار بالعبودية الخالصة لله شأن كل رسول . . ولكن هذه العقيدة الناصعة أدخلت عليها التحريفات ; بسبب دخول الوثنيين في النصرانية ; وحرصهم على رواسب الوثنية التي جاءوا بها ومزجها بعقيدة التوحيد , حتى لم يعد هناك إمكان لفصلها وفرزها وتنقية جوهر العقيدة منها .
ولم تجيء هذه الانحرافات كلها دفعة واحدة ; ولكنها دخلت على فترات ; وأضافتها المجامع واحدة بعد الأخرى ; حتى انتهت إلى هذا الخليط العجيب من التصورات والأساطير , الذي تحار فيه العقول . حتى عقول الشارحين للعقيدة المحرفة من أهلها المؤمنين بها !
وقد عاشت عقيدة التوحيد بعد المسيح - عليه السلام - في تلامذته وفي أتباعهم . وأحد الأناجيل الكثيرة التي كتبت - وهو إنجيل برنابا - يتحدث عن عيسى - عليه السلام - بوصفه رسولا من عند الله . ثم وقعت بينهم الاختلافات . فمن قائل:إن المسيح رسول من عند الله كسائر الرسل . ومن قائل:إنه رسول نعم ولكن له بالله صلة خاصة . ومن قائل:إنه ابن الله لأنه خلق من غير أب , ولكنه على هذا مخلوق لله . ومن قائل:إنه ابن الله وليس مخلوقا بل له صفة القدم كالأب . .
ولتصفية هذه الخلافات اجتمع في عام 325 ميلادية "مجمع نيقية " الذي اجتمع فيه ثمانية وأربعون ألفا من البطارقة والأساقفة . قال عنهم ابن البطريق أحد مؤرخي النصرانية:
"وكانوا مختلفين في الآراء والأديان . فمنهم من كان يقول:إن المسيح وأمه إلهان من دون الله . وهم "البربرانية " . . ويسمون:"الريمتيين" . ومنهم من كان يقول:إن المسيح من الأب بمنزلة شعلة نار انفصلت من شعلة نار , فلم تنقص الأولى بانفصال الثانية منها . وهي مقالة "سابليوس" وشيعته . ومنهم من كان يقول:لم تحبل به مريم تسعة أشهر , وإنما مر في بطنها كما يمر الماء في الميزاب , لأن الكلمة دخلت في أذنها , وخرجت من حيث يخرج الولد من ساعتها . وهي مقالة "إليان" وأشياعه . ومنهم من كان يقول:إن المسيح إنسان خلق من اللاهوت كواحد منا في جوهره , وإن ابتداء الابن من مريم , وإنه اصطفي ليكون مخلصا للجوهر الإنسي , صحبته النعمة الإلهية , وحلت فيه بالمحبة والمشيئة , ولذلك سمي "ابن الله" ويقولون:إن الله جوهر قديم واحد , وأقنوم واحد , ويسمونه بثلاثة أسماء , ولا يؤمنون بالكلمة , ولا بروح القدس . وهي مقالة "بولس الشمشاطي" بطريرك أنطاكية وأشياعه وهم "البوليقانيون" . ومنهم من كان يقول:إنهم ثلاثة آلهة لم تزل:صالح , وطالح , وعدل بينهما . وهي مقالة "مرقيون" اللعين وأصحابه ! وزعموا أن "مرقيون" هو رئيس الحواريين وأنكروا "بطرس" . ومنهم من كانوا يقولون بألوهية المسيح . وهي مقالة "بولس الرسول" ومقالة الثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا . .
وقد اختار الإمبراطور الروماني "قسطنطين" الذي كان قد دخل في النصرانية من الوثنية ولم يكن يدري شيئا من النصرانية ! هذا الرأي الأخير وسلط أصحابه على مخالفيهم , وشرد أصحاب سائر المذاهب ; وبخاصة القائلين بألوهية الأب وحده , وناسوتية المسيح .
وقد ذكر صاحب كتاب تاريخ الأمة القبطية عن هذا القرار ما نصه:
"إن الجامعة المقدسة والكنيسة الرسولية تحرم كل قائل بوجود زمن لم يكن ابن الله موجودا فيه . وأنه لم يوجد قبل أن يولد . وأنه وجد من لا شيء . أو من يقول:إن الابن وجد من مادة أو جوهر غير جوهر الله الآب . وكل من يؤمن أنه خلق , أو من يقول:إنه قابل للتغيير , ويعتريه ظل دوران" .
ولكن هذا المجمع بقرارته لم يقض على نحلة الموحدين أتباع "آريوس" وقد غلبت على القسطنطينية , وأنطاكية , وبابل , والإسكندرية , ومصر .
ثم سار خلاف جديد حول "روح القدس" فقال بعضهم:هو إله , وقال آخرون:ليس بإله ! فاجتمع "مجمع القسطنطينية الأول" سنة 381 ليحسم الخلاف في هذا الأمر .
وقد نقل ابن البطريق ما تقرر في هذا المجمع , بناء على مقالة أسقف الإسكندرية:
"قال ثيموثاوس بطريك الإسكندرية:ليس روح القدس عندنا بمعنى غير روح الله . وليس روح الله شيئا غير حياته . فإذا قلنا إن روح القدس مخلوق , فقد قلنا:إن روح الله مخلوق . وإذا قلنا:إن روح الله مخلوق , فقد قلنا:إن حياته مخلوقة . وإذا قلنا:إن حياته مخلوقة , فقد زعمنا أنه غير حي . وإذا زعمنا أنه غير حي فقد كفرنا به . ومن كفر به وجب عليه اللعن" !!!
وكذلك تقررت ألوهية روح القدس في هذا المجمع , كما تقررت ألوهية المسيح في مجمع نيقية . وتم "الثالوث" من الآب . والابن . وروح القدس . .
ثم ثار خلاف آخر حول اجتماع طبيعة المسيح الإلهية وطبيعته الإنسانية . . أو اللاهوت والناسوت كما يقولون . . فقد رأى "نسطور" بطريرك القسطنطينية أن هناك أقنوما وطبيعة . فأقنوم الألوهية من الآب وتنسب إليه ; وطبيعة الإنسان وقد ولدت من مريم , فمريم أم الإنسان - في المسيح - وليست أم الإله ! ويقول في المسيح الذي ظهر بين الناس وخاطبهم - كما نقله عنه ابن البطريق:
"إن هذا الإنسان الذي يقول:إنه المسيح . . بالمحبة متحد مع الابن . . ويقال:إنه الله وابن الله , ليس بالحقيقة ولكن بالموهبة " . .
ثم يقول:"إن نسطور ذهب إلى أن ربنا يسوع المسيح لم يكن إلها في حد ذاته بل هو إنسان مملوء من البركة والنعمة , أو هو ملهم من الله , فلم يرتكب خطيئة , وما أتى أمرا إدًا
وخالفه في هذا الرآي أسقف رومه , وبطريرك الإسكندرية , وأساقفة أنطاكية , فاتفقوا على عقد مجمع رابع . وانعقد "مجمع أفسس" سنة 431 ميلادية . وقرر هذا المجمع - كما يقول ابن البطريق -:
"أن مريم العذراء والدة الله . وأن المسيح إله حق وإنسان , معروف بطبيعتين , متوحد في الأقنوم" . . ولعنوا نسطور !
ثم خرجت كنيسة الإسكندرية برأي جديد , انعقد له "مجمع أفسس الثاني" وقرر:
"أن المسيح طبيعة واحدة , اجتمع فيها اللاهوت بالناسوت" .
ولكن هذا الرأي لم يسلم ; واستمرت الخلافات الحادة ; فاجتمع مجمع "خلقيدونية " سنة 451 وقرر:
"أن المسيح له طبيعتان لا طبيعة واحدة . وأن اللاهوت طبيعة وحدها , والناسوت طبيعه وحدها , التقتا في المسيح" . . ولعنوا مجمع أفسس الثاني !
ولم يعترف المصريون بقرار هذا المجمع . ووقعت بين المذهب المصري "المنوفيسية " والمذهب "الملوكاني"