سبحانه - يحابي فريقا من عباده , فيدعهم يفسدون في الأرض ثم لا يعذبهم عذاب المفسدين الاخرين ! فأي فساد في الحياة يمكن أن ينشأ عن مثل هذا التصور ? وأي اضطراب في الحياة يمكن أن ينشئه مثل هذا الانحراف ? وهنا يضرب الإسلام ضربته الحاسمة على هذا الفساد في التصور , وكل ما يمكن أن ينشئه من الفساد في الحياة , ويقرر عدل الله الذي لا يحابي ; كما يقرر بطلان ذلك الادعاء:
(قل:فلم يعذبكم بذنوبكم ? بل أنتم بشر ممن خلق , يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء). .
بذلك يقرر الحقيقة الحاسمة في عقيدة الإيمان . يقرر بطلان ادعاء البنوة ; فهم بشر ممن خلق . ويقرر عدل الله وقيام المغفرة والعذاب عنده على أصلها الواحد . على مشيئته التي تقرر الغفران بأسبابه وتقرر العذاب بأسبابه . لا بسبب بنوة أو صلة شخصية !
ثم يكرر أن الله هو المالك لكل شيء , وأن مصير كل شيء إليه:
(ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير). .
والمالك غير المملوك . تتفرد ذاته - سبحانه - وتتفرد مشيئته , ويصير إليه الجميع . .
وينهي هذا البيان , بتكرار النداء الموجه إلى أهل الكتاب , يقطع به حجتهم ومعذرتهم ويقفهم أمام المصير وجها لوجه . بلا غبش ولا عذر , ولا غموض:
(يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل . . أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير . . فقد جاءكم بشير ونذير . والله على كل شيء قدير). .
وبهذه المواجهة الحاسمة , لا تعود لأهل الكتاب جميعا حجة من الحجج . . لا تعود لهم حجة في أن هذا الرسول الأمي لم يرسل إليهم . فالله - سبحانه - يقول:
يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا . .
ولا تعود لهم حجة في أنهم لم ينبهوا ولم يبشروا ولم ينذروا في مدى طويل ; يقع فيه النسيان ويقع فيه الانحراف . . فقد جاءهم - الآن - بشير ونذير . .
ثم يذكرهم أن الله لا يعجزة شيء . . لا يعجزه أن يرسل رسولا من الأميين . ولا يعجزه كذلك أن يأخذ أهل الكتاب بما يكسبون:
(والله على كل شيء قدير). .
وتنتهي هذه الجولة مع أهل الكتاب ; فتكشف انحرافاتهم عن دين الله الصحيح الذي جاءتهم به رسلهم من قبل . وتقرر حقيقة الاعتقاد الذي يرضاه الله من المؤمنين . وتبطل حجتهم في موقفهم من النبي الأمي ; وتأخذ عليهم الطريق في الاعتذار يوم الدين . .
وبهذا كله تدعوهم إلى الهدى من ناحية ; وتضعف تأثير كيدهم في الصف المسلم من ناحية أخرى . وتنير الطريق للجماعة المسلمة ولطلاب الهدى جميعا . . إلى الصراط المستقيم . .
الدرس الرابع:20 - 26 قصة تيه بني إسرائيل
وفي نهاية الدرس يصل السياق إلى الموقف الأخير لبني إسرائيل مع رسولهم ومنقذهم - موسى عليه السلام -