رسول , قبل هذا الدين الأخير - ولكن ما طابق من شريعته - التي هي شريعة التوراة - حكم القرآن فهو من شريعة القرآن . كما مر بنا في شريعة القصاص . وأهل الإنجيل كانوا إذن مطالبين أن يتحاكموا إلى الشريعة التي أقرها وصدقها الإنجيل من شريعة التوراة: (وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه).
فالقاعدة هي الحكم بما أنزل الله دون سواه . وهم واليهود كذلك لن يكونوا على شيء حتى يقيموا التوراة والإنجيل - قبل الإسلام - وما أنزل إليهم من ربهم - بعد الإسلام - فكله شريعة واحدة , هم ملزمون بها , وشريعة الله الأخيرة هي الشريعة المعتمدة:
(ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون). .
والنص هنا كذلك على عمومه وإطلاقه . . وصفة الفسق تضاف إلى صفتي الكفر والظلم من قبل . وليست تعني قوما جددا ولا حالة جديدة منفصلة عن الحالة الأولى . إنما هي صفة زائدة على الصفتين قبلها , لاصقة بمن لم يحكم بما أنزل الله من أي جيل , ومن أي قبيل .
الكفر برفض ألوهية الله ممثلا هذا في رفض شريعته . والظلم بحمل الناس على غير شريعة الله وإشاعة الفساد في حياتهم . والفسق بالخروج عن منهج الله واتباع غير طريقه . . فهي صفات يتضمنها الفعل الأول , وتنطبق جميعها على الفاعل . ويبوء بها جميعا دون تفريق .
الدرس الرابع:48 - 50 وجوب الحكم بشرع الله في الإسلام ورفض حكم الجاهلية
وأخيرا يصل السياق إلى الرسالة الأخيرة ; وإلى الشريعة الأخيرة . . إنها الرسالة التي جاءت تعرض "الإسلام" في صورته النهائية الأخيرة ; ليكون دين البشرية كلها ; ولتكون شريعته هي شريعة الناس جميعا ; ولتهيمن على كل ماكان قبلها وتكون هي المرجع النهائي ; ولتقيم منهج الله لحياة البشرية حتى يرث الله الأرض ومن عليها . المنهج الذي تقوم عليه الحياة في شتى شعبها ونشاطها ; والشريعة التي تعيش الحياة في إطارها وتدور حول محورها ; وتستمد منها تصورها الاعتقادي , ونظامها الاجتماعي , وآداب سلوكها الفردي والجماعي . . وقد جاءت كذلك ليحكم بها , لا لتعرف وتدرس , وتتحول إلى ثقافة في الكتب والدفاتر ! وقد جاءت لتتبع بكل دقة , ولا يترك شيء منها ويستبدل به حكم آخر في صغيرة من شئون الحياة أو كبيرة . . فإما هذا وإما فهي الجاهلية والهوى . ولا يشفع في هذه المخالفة أن يقول أحد إنه يجمع بين الناس بالتساهل في الدين . فلو شاء الله لجعل الناس أمة واحدة . إنما يريد الله أن تحكم شريعته , ثم يكون من أمر الناس ما يكون:
وأنزلنا إليك الكتاب بالحق , مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه , فاحكم بينهم بما أنزل الله , ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق . لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا . ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة . ولكن ليبلوكم فيما آتاكم , فاستبقوا الخيرات . إلى الله مرجعكم جميعا , فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون . وأن احكم بينهم بما أنزل الله , ولا تتبع أهواءهم . واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك . فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم , وإن كثيرا من الناس لفاسقون . أفحكم الجاهلية يبغون ? ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون . .
ويقف الإنسان أمام هذه النصاعة في التعبير , وهذا الحسم في التقرير , وهذا الاحتياط البالغ لكل ما قد يهجس في الخاطر من مبررات لترك شيء - ولو قليل - من هذه الشريعة في بعض الملابسات والظروف . .
يقف الإنسان أمام هذا كله , فيعجب كيف ساغ لمسلم - يدعي الإسلام - أن يترك شريعة الله كلها , بدعوى