كذلك قد يعد الله المسلمين الغلب لتثبيت قلوبهم ; وإطلاقها من عوائق الواقع الحاضر أمامهم - وهي عوائق ساحقة في أحيان كثيرة - فإذا استيقنوا العاقبة قويت قلوبهم على اجتياز المحنة ; وتخطي العقبة , والطمع في أن يتحقق على أيديهم وعد الله للأمة المسلمة , فيكون لهم ثواب الجهاد , وثواب التمكين لدين الله , وثواب النتائج المترتبة على هذا التمكين .
كذلك يشي ورود هذا النص في هذا المجال , بحالة الجماعة المسلمة يومذاك , وحاجتها إلى هذه البشريات . بذكر هذه القاعدة من غلبة حزب الله . . مما يرجح ما ذهبنا إليه من تاريخ نزول هذا القطاع من السورة .
ثم تخلص لنا هذه القاعدة ; التي لا تتعلق بزمان ولا مكان . . فنطمئن إليها بوصفها سنة من سنن الله التي لا تتخلف . وإن خسرت العصبة المؤمنة بعض المعارك والمواقف . فالسنة التي لا تنقض هي أن حزب الله هم الغالبون . . ووعد الله القاطع أصدق من ظواهر الأمور في بعض مراحل الطريق ! وأن الولاء لله ورسوله والذين آمنوا هو الطريق المؤدي لتحقق وعد الله في نهاية الطريق !
الدرس الثالث:56 - 57 دعوة المسلمين لعدم موالاة الكافرين
وبعد فلقد سلك المنهج القرآني في هذا السياق طرقا منوعة , لنهي الذين آمنوا عن تولي المخالفين لهم في عقيدتهم من أهل الكتاب والمشركين , ولتقرير هذه القاعدة الإيمانية في ضمائرهم وإحساسهم وعقولهم . مما يدل على أهمية هذه القاعدة في التصور الإسلامي ; وفي الحركة الإسلامية على السواء . .
وقد رأينا من قبل أنه سلك في النداء الأول طريق النهي المباشر , وطريق التخويف من أن يأتي الله بالفتح أو أمر من عنده , فينكشف ستر المنافقين . . وسلك في النداء الثاني طريق التحذير من الردة بموالاة أعداء الله ورسوله والمؤمنين ; وطريق التحبيب في أن يكونوا من العصبة المختارة . ممن يحبهم الله ويحبونه ; وطريق الوعد بالنصر لحزب الله الغالب . .
فالآن نجده في النداء الثالث في هذا الدرس للذين آمنوا يثير في نفوسهم الحمية لدينهم ولعبادتهم ولصلاتهم التي يتخذها أعداؤهم هزوا ولعبا . ونجده يسوي في النهي عن الموالاة بين أهل الكتاب والكفار , وينوط هذا النهي بتقوى الله ; ويعلق على الاستماع إليه صفة الإيمان ; ويقبح فعلة الكفار وأهل الكتاب ويصفهم بأنهم لا يعقلون:
(يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا - من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار - أولياء , واتقوا الله إن كنتم مؤمنين . وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا . ذلك بأنهم قوم لا يعقلون). .
وهي ملابسة مثيرة لكل من له حمية المؤمن ; الذي لا يرى لنفسه كرامة إذا أهين دينه , وأهينت عبادته , وأهينت صلاته , واتخذ موقفه بين يدي ربه مادة للهزء واللعب . . فكيف يقوم ولاء بين الذين آمنوا وبين أحد من هؤلاء الذين يرتكبون هذه الفعلة ; ويرتكبونها لنقص في عقولهم . فما يستهزى ء بدين الله وعبادة المؤمنين به , إنسان سوي العقل ; فالعقل - حين يصح ويستقيم - يرى في كل شيء من حوله موحيات الإيمان بالله .
وحين يختل وينحرف لا يرى هذه الموحيات , لأنه حينئذ تفسد العلاقات بينه وبين هذا الوجود كله . فالوجود كله يوحي بأن له إلها يستحق العبادة والتعظيم . والعقل حين يصح ويستقيم يستشعر جمال العبادة لإله الكون وجلالها كذلك , فلا يتخذها هزوا ولعبا وهو صحيح مستقيم .
ولقد كان هذا الاستهزاء واللعب يقع من الكفار , كما كان يقع من اليهود خاصة من أهل الكتاب , في