|
في ظلال القرآن
الكريم
المائدة من الاية 64 الى الاية 65 وَقَالَتö الْيَهُودُ يَدُ اللّهö مَغْلُولَةñ غُلَّتْ أَيْدöيهöمْ وَلُعöنُواْ بöمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانö يُنفöقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزöيدَنَّ كَثöيراً مّöنْهُم مَّا أُنزöلَ إöلَيْكَ مöن رَّبّöكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إöلَى يَوْمö الْقöيَامَةö كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لّöلْحَرْبö أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فöي الأَرْضö فَسَاداً وَاللّهُ لاَ يُحöبُّ الْمُفْسöدöينَ (64) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكöتَابö آمَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيّöئَاتöهöمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتö النَّعöيمö (65)
بواجبهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ; والأمر كما قلنا من قبل في الظلال , يقتضي "سلطة " تأمر وتنهى , والأمر والنهي أمر غير الدعوة . فالدعوة بيان , والأمر والنهي سلطان . وكذلك ينبغي أن يحصل الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر على السلطان الذي يجعل لأمرهم ونهيهم قيمته في المجتمع ; فلا يكون مطلق كلام ! وكنموذج من قولهم الإثم في أبشع صوره يحكي القرآن الكريم قول اليهود الغبي اللئيم: وقالت اليهود يد الله مغلولة - غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا , بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء - . . وذلك من سوء تصور يهود لله سبحانه . فقد حكى القرآن الكريم الكثير من سوء تصورهم ذاك . وقد قالوا:إن الله فقير ونحن أغنياء عندما سئلوا النفقة ! وقالوا:يد الله مغلولة , يعللون بذلك بخلهم ; فالله - بزعمهم - لا يعطي الناس ولا يعطيهم إلا القليل . . فكيف ينفقون ?! وقد بلغ من غلظ حسهم , وجلافة قلوبهم , ألا يعبروا عن المعنى الفاسد الكاذب الذي أرادوه وهو البخل بلفظه المباشر ; فاختاروا لفظا أشد وقاحة وتهجما وكفرا فقالوا:يد الله مغلولة ! ويجيء الرد عليهم بإحقاق هذه الصفة عليهم , ولعنهم وطردهم من رحمة الله جزاء على قولهم: (غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا). وكذلك كانوا , فهم أبخل خلق الله بمال ! ثم يصحح هذا التصور الفاسد السقيم ; ويصف الله سبحانه بوصفه الكريم . وهو يفيض على عباده من فضله بلا حساب: (بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء). . وعطاياه التي لا تكف ولا تنفد لكل مخلوق ظاهرة للعيان . . شاهدة باليد المبسوطة , والفضل الغامر , والعطاء الجزيل , ناطقة بكل لسان . ولكن يهود لا تراها ; لأنها مشغولة عنها باللم والضم , وبالكنود وبالجحود , وبالبذاءة حتى في حق الله ! ويحدث الله رسوله [ ص ] عما سيبدو من القوم , وعما سيحل بهم , بسبب حقدهم وغيظهم من اصطفاء الله له بالرسالة ; وبسبب ما تكشفه هذه الرسالة من أمرهم في القديم والحديث: (وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرًا). . فبسبب من الحقد والحسد , وبسبب من افتضاح أمرهم فيما أنزل الله إلى رسوله , سيزيد الكثيرون منهم طغيانا وكفرا . لأنهم وقد أبوا الإيمان , لا بد أن يشتطوا في الجانب المقابل ; ولا بد أن يزيدوا تبجحا ونكرا , وطغيانا وكفرا . فيكون الرسول [ ص ] رحمة للمؤمنين , ووبالا عن المنكرين . ثم يحدثه عما قدر الله لهم من التعادي والتباغض فيما بينهم ; ومن إبطال كيدهم وهو في أشد سعيره تلهبا ; ومن عودتهم بالخيبة فيما يشنونه من حرب على الجماعة المسلمة: وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة . كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله . . وما تزال طوائف اليهود متعادية . وإن بدا في هذه الفترة أن اليهودية العالمية تتساند ; وتوقد نار الحرب على البلاد الإسلامية وتفلح ! ولكن ينبغي ألا ننظر إلى فترة قصيرة من الزمان ولا إلى مظهر لا يشتمل على الحقيقة كاملة . ففي خلال ألف وثلاثمائة عام . . بل من قبل الإسلام . . واليهود في شحناء وفي ذل كذلك وتشرد . ومصيرهم إلى مثل ما كانوا فيه . مهما تقم حولهم الأسناد . ولكن مفتاح الموقف كله في وجود العصبة المؤمنة , التي يتحقق لها وعد الله . . فأين هي العصبة المؤمنة اليوم , التي تتلقى وعد الله , وتقف ستارا لقدر الله , ويحقق الله بها في الأرض ما يشاء ? ويوم تفيء الأمة المسلمة إلى الإسلام:تؤمن به على حقيقته ; وتقيم حياتها كلها على منهجه وشريعته . . يومئذ يحق وعد الله على شر خلق الله . . واليهود يعرفون هذا , ومن ثم يسلطون كل ما في جعبتهم من شر وكيد ; ويصبون كل ما في أيديهم من بطش وفتك , على طلائع البعث الإسلامي في كل شبر من الأرض , ويضربون - لا بأيديهم - ولكن بأيدي عملائهم - ضربات وحشية منكرة ; لا ترعى في العصبة المؤمنة إلا ولا ذمة . . ولكن الله غالب على أمره . ووعد الله لا بد أن يتحقق: (وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة . كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله). . إن هذا الشر والفساد الذي تمثله يهود , لا بد أن يبعث الله عليه من يوقفه ويحطمه ; فالله لا يحب الفساد في الأرض ; وما لا يحبه الله لا بد أن يبعث عليه من عباده من يزيله ويعفي عليه: (ويسعون في الأرض فسادا , والله لا يحب المفسدين). . الدرس السادس:65 - 66 أثر الإيمان وتطبيق شرع الله في الرخاء المعيشي وفي نهاية الدرس تجيء القاعدة الإيمانية الكبرى - قاعدة أن إقامة دين الله في الأرض معناها الصلاح والكسب والفلاح في حياة المؤمنين في هذه الدنيا وفي الآخرة على السواء . لا افتراق بين دين ودنيا , ولا افتراق بين دنيا وآخرة . فهو منهج واحد للدنيا وللآخرة ; للدنيا وللدين . . تجيء هذه القاعدة الإيمانية الكبيرة بمناسبة الحديث عن انحراف أهل الكتاب عن دين الله ; وأكلهم السحت ; وتحريفهم الكلم من بعد مواضعه لينالوا عرضا من أعراض هذه الأرض . . واتباع دين الله كان أجدى عليهم في الأرض والسماء , وفي الدنيا والآخرة لو أنهم اختاروا الطريق: (ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ; ولأدخلناهم جنات النعيم . ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل , وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم . منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون). . إن هاتين الآيتين تقرران أصلا كبيرا من أصول التصور الإسلامي , ومن ثم فهما تمثلان حقيقة ضخمة في الحياة الإنسانية . ولعل الحاجة إلى جلاء ذلك الأصل , وإلى بيان هذه الحقيقة لم تكن ماسة كما هي اليوم ; والعقل البشري , والموازين البشرية , والأوضاع البشرية تتأرجح وتضطرب وتتوه بين ضباب التصورات وضلال المناهج , بإزاء هذا الأمر الخطير . . إن الله - سبحانه - يقول لأهل الكتاب - ويصدق القول وينطبق على كل أهل كتاب - إنهم لو كانوا آمنوا واتقوا لكفر عنهم سيئاتهم ولأدخلهم جنات النعيم - وهذا جزاء الآخرة . وإنهم لو كانوا حققوا في حياتهم الدنيا منهج الله الممثل في التوراة والإنجيل وما أنزله الله إليهم من التعاليم - كما أنزلها الله بدون تحريف ولا تبديل - لصلحت حياتهم الدنيا , ونمت وفاضت عليهم الأزراق , ولأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم من فيض الرزق , ووفرة النتاج وحسن التوزيع , وصلاح أمر الحياة . . ولكنهم لا يؤمنون ولا يتقون ولا السابق - التالي
|