استخدام الماء , يستعاض بالتيمم , الذي لا يحقق إلا هذا الشطر الأقوى . . وذلك كله فضلا على أن هذا الدين منهج عام ليواجه جميع الحالات , وجميع البيئات , وجميع الأطور , بنظام واحد ثابت , فتتحقق حكمته في جميع الحالات والبيئات والأطور ; في صورة من الصور , بمعنى من المعاني ; ولا تبطل هذه الحكمة أو تتخلف في أية حال . فلنحاول أن نتفهم أسرار هذه العقيدة قبل أن نفتي فيها بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير , ولنحاول أن نكون أكثر أدبا مع الله ; فيما نعلم وفيما لا نعلم على السواء .
كذلك يقودنا الحديث عن التيمم للصلاة عند تعذر الطهارة بالوضوء أو الغسل أو ضررها إلى لفتة أخرى عن الصلاة ذاتها , عن حرص المنهج الإسلامي على إقامة الصلاة ; وإزالة كل عائق يمنع منها . . فهذا الحكم بالإضافة إلى الأحكام الأخرى كالصلاة عند الخوف والصلاة في حالة المرض من قعود أو من استلقاء حسب الإمكان . . كل هذه الأحكام تكشف عن الحرص البالغ على إقامة الصلاة ; وتبين إلى أي حد يعتمد المنهج على هذه العبادة لتحقيق أغراضه التربوية في النفس البشرية . إذا يجعل من لقاء الله والوقوف بين يديه وسيلة عميقة الأثر , لا يفرط فيها في أدق الظروف وأحرجها ; ولا يجعل عقبة من العقبات تحول بين المسلم وبين هذا الوقوف وهذا اللقاء . . لقاء العبد بربه . . وعدم انقطاعه عنه لسبب من الأسباب . . إنها نداوة القلب , واسترواح الظل , وبشاشة اللقاء . .
الدرس الخامس:7 مطالبة بالإلتزام بالميثاق
ويعقب على أحكام الطهارة , وعلى ما سبقها من الأحكام بتذكير الذين آمنوا بنعمة الله عليهم بالإيمان , وبميثاق الله معهم على السمع والطاعة , وهو الميثاق الذي دخلوا به في الإسلام - كما تقدم - كما يذكرهم تقوى الله , وعلمه بما تنطوي عليه الصدور:
(واذكروا نعمة الله عليكم , وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم:سمعنا وأطعنا , واتقوا الله , إن الله عليم بذات الصدور). .
وكان المخاطبون بهذا القرآن أول مرة يعرفون - كما قدمنا - قيمة نعمة الله عليهم بهذا الدين . إذ كانوا يجدون حقيقتها في كيانهم , وفي حياتهم , وفي مجتمعهم , وفي مكانهم من البشرية كلها من حولهم . ومن ثم كانت الإشارة - مجرد الإشارة - إلى هذه النعمة تكفي , إذ كانت توجه القلب والنظر إلى حقيقة ضخمة قائمة في حياتهم ملموسة .
كذلك كانت الإشارة إلى ميثاق الله الذي واثقهم به على السمع والطاعة , تستحضر لتوها حقيقة مباشرة يعرفونها . كما كانت تثير في مشاعرهم الاعتزاز حيث تقفهم من الله ذي الجلال موقف الطرف الآخر في تعاقد مع الله , وهو أمر هائل جليل في حسن المؤمن , حين يدرك حقيقته هذه ويتملاها . .
ومن ثم يكلهم الله في هذا إلى التقوى . إلى إحساس القلب بالله , ومراقبته في خطراته الخافية:
(واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور). .
والتعبير (بذات الصدور)تعبير مصور معبر موح , نمر به كثيرا في القرآن الكريم . فيحسن أن ننبه إلى مافيه من دقة وجمال وإيحاء . وذات الصدور:أي صاحبة الصدور , الملازمة لها , الملاصقة بها . وهي كناية