|
في ظلال القرآن
الكريم
المائدة من الاية 70 الى الاية 75 لَقَدْ أَخَذْنَا مöيثَاقَ بَنöي إöسْرَائöيلَ وَأَرْسَلْنَا إöلَيْهöمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءهُمْ رَسُولñ بöمَا لاَ تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرöيقاً كَذَّبُواْ وَفَرöيقاً يَقْتُلُونَ (70) وَحَسöبُواْ أَلاَّ تَكُونَ فöتْنَةñ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ اللّهُ عَلَيْهöمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثöيرñ مّöنْهُمْ وَاللّهُ بَصöيرñ بöمَا يَعْمَلُونَ (71) لَقَدْ كَفَرَ الَّذöينَ قَالُواْ إöنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسöيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسöيحُ يَا بَنöي إöسْرَائöيلَ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبّöي وَرَبَّكُمْ إöنَّهُ مَن يُشْرöكْ بöاللّهö فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهö الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لöلظَّالöمöينَ مöنْ أَنصَارٍ (72) لَّقَدْ كَفَرَ الَّذöينَ قَالُواْ إöنَّ اللّهَ ثَالöثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مöنْ إöلَِهٍ إöلاَّ إöلَِهñ وَاحöدñ وَإöن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذöينَ كَفَرُواْ مöنْهُمْ عَذَابñ أَلöيمñ (73) أَفَلاَ يَتُوبُونَ إöلَى اللّهö وَيَسْتَغْفöرُونَهُ وَاللّهُ غَفُورñ رَّحöيمñ (74) مَّا الْمَسöيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إöلاَّ رَسُولñ قَدْ خَلَتْ مöن قَبْلöهö الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صöدّöيقَةñ كَانَا يَأْكُلاَنö الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيّöنُ لَهُمُ الآيَاتö ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75)
دين الله , ولا هدى الرسل ; ومردوا على الإثم والعدوان على دعاة الحق وحملة دعوة الله:(لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا . كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون). . وسجل بني إسرائيل مع أنبيائهم حافل بالتكذيب والإعراض ; حافل بالقتل والاعتداء ! حافل بتحكيم الشهوات والأهواء . ولعله من أجل ذلك قص الله تاريخ بني إسرائيل على الأمة المسلمة في تفصيل وتطويل . . لعلها تتقي أن تكون كبني إسرائيل ; ولعلها تحذر مزالق الطريق , أو لعل الواعين منه الموصولين بالله يدركون هذه المزالق ; أو يتأسون بأنبياء بني إسرائيل حين يصادفون ما صادفوا وأجيال من ذراري المسلمين تنتهي إلى ما انتهى إليه بنو إسرائيل , حين طال عليهم الأمد فقست قلوبهم ; فتحكم الهوى ; وترفض الهدى , وتكذب فريقا من الدعاة إلى الحق , وتقتل فريقا ; كما صنع بغاة بني إسرائيل , في تاريخهم الطويل ! لقد صنع بنو إسرائيل تلك الآثام كلها ; وهم يحسبون أن الله لن يفتنهم بالبلاء , ولن يأخذهم بالعقاب . حسبوا هذا الحسبان غفلة منهم عن سنة الله ; وغرورا منهم بأنهم "شعب الله المختار" ! (وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموًا). . طمس الله على أبصارهم فلا يفقهون مما يرون شيئا ; وطمس على مسامعهم فلا يفيدون مما يسمعون شيئا . . (ثم تاب الله عليهم). . وأدركهم برحمته . . فلم يرعووا ولم ينتفعوا: (ثم عموا وصموا . كثير منهم . .) (والله بصير بما يعملون). . وهو مجازيهم بما يراه ويعلمه من أمرهم . . وما هم بمفلتين . . ويكفي أن يعرف الذين آمنوا هذا التاريخ القديم عن يهود , وهذا الواقع الجديد ; لتنفر قلوبهم المؤمنة من ولائهم , كما نفر قلب عبادة بن الصامت ; فلا يتولاهم إلا المنافقون من أمثال عبدالله بن أبى بن سلول ! الدرس الرابع:72 - 77 بيان كفر النصارى في تأليه عيسى بن مريم ونقض ذلك ذلك شأن اليهود من أهل الكتاب . . فأما شأن النصارى فيبينه السياق القرآني في حسم وتوكيد يتمشيان مع طبيعة السورة ; وطبيعة الموقف الذي تعالجه . . ولقد سبق في سياق السورة وصف الذين قالوا:إن الله هو المسيح ابن مريم بالكفر . فالآن يكرر هذا الوصف , سواء لمن قالوا:إن الله ثالث ثلاثة , ومن قالوا:إن الله هو المسيح ابن مريم . مع ذكر شهادة عيسى - عليه السلام - عليهم بالكفر , وتحذيره لهم من وصف أحد بالألوهية إلا الله - سبحانه - واعترافه بأن الله هو ربه وربهم على السواء . ثم تحذير الله لهم في النهاية من المضي فيما هم عليه من الكفر بسبب هذه المقولات التي لا يقول بها المؤمنون بالله وبدينه الصحيح: لقد كفر الذين قالوا:إن الله هو المسيح ابن مريم . وقال المسيح:يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم . إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة , ومأواه النار , وما للظالمين من أنصار . . لقد كفر الذين قالوا:إن الله ثالث ثلاثة . وما من إله إلا إله واحد . وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم . أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه ? والله غفور رحيم . ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل , وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام . انظر كيف نبين لهم الآيات , ثم انظر أنى يؤفكون . قل:أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا ? والله هو السميع العليم ? قل:يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق , ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل , وأضلوا كثيرا , وضلوا عن سواء السبيل). . ولقد سبق أن بينا - باختصار - كيف ومتى تسربت هذه المقولات المنحرفة من المجامع إلى العقيدة النصرانية التي جاء بها عيسى عليه السلام رسولا من عند الله ; كإخوانه الرسل ; الذين جاءوا بكلمة التوحيد خالصة ; لا يشوبها ظل من الشرك ; لأن الرسالات كلها , جاءت لتقرير كلمة التوحيد في الأرض وإبطال كلمة الشرك . فالآن نذكر - باختصار كذلك - ما إنتهت إليه تلك المجامع من الاتفاق على التثليث وألوهية المسيح والخلاف فيما بينها بعد ذلك , على النحو الذي أسلفناه . . "جاء في كتاب "سوسنة سليمان" لنوفل بن نعمة الله بن جرجس النصراني:أن عقيدة النصارى التي لا تختلف بالنسبة لها الكنائس , وهي أصل الدستور الذي بينه المجمع النيقاوي هي الإيمان بإله واحد:آب واحد , ضابط الكل , خالق السماوات والأرض , كل ما يرى وما لا يرى . وبرب واحد يسوع , الابن الوحيد المولود من الآب قبل الدهور من نور الله . إله حق من إله حق . مولود غير مخلوق , مساو للأب في الجوهر , الذي به كان كل شيء , والذي من أجلنا نحن البشر , ومن أجل خطايانا نزل من السماء , وتجسد من الروح القدس , ومن مريم العذراء تأنس , وصلب عنا على عهد بيلاطس , وتألم وقبر , وقام من الأموات في اليوم الثالث على ما في الكتب , وصعد إلى السماء وجلس على يمين الرب , وسيأتي بمجد ليدين الأحياء والأموات , ولا فناء لملكه . والإيمان بالروح القدس , الرب المحيي المنبثق من الآب , الذي هو مع الابن يسجد له , ويمجده , الناطق بالأنبياء" "وقال الدكتور "بوست" في تاريخ الكتاب المقدس:طبيعة الله عبارة عن ثلاثة أقانيم متساوية:الله الآب , والله الابن , والله الروح القدس . فإلى الآب ينتمي الخلق بواسطة الابن . وإلى الابن الفداء . وإلى الروح القدس التطهير" ونظرا لصعوبة تصور الأقانيم الثلاثة في واحد , وصعوبة الجمع بين التوحيد والتثليث , فإن الكتاب النصارى عن اللاهوت حاولوا تأجيل النظر العقلي في هذه القضية , التي يرفضها العقل ابتداء . ومن ذلك ما كتبه القس "بوطر" في رسالة "الأصول والفروع" حيث يقول:"قد فهمنا ذلك على قدر طاقة عقولنا . ونرجو ان نفهمه فهما أكثر جلاء في المستقبل حين يكشف لنا الحجاب عن كل ما في السماوات وما في الأرض . وأما في الوقت الحاضر ففي القدر الذي فهمناه كفاية " والله - سبحانه - يقول:إن هذه المقولات كلها كفر . وهي تتضمن - كما رأينا - القول بألوهية المسيح عليه السلام ; والقول بأن الله ثالث ثلاثة . . وليس بعد قول الله - سبحانه - قول . والله يقول الحق وهو يهدي السبيل:لقد كفر الذين قالوا:إن الله هو المسيح ابن مريم . وقال المسيح:يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم , إنه من يشرك بالله فقد رحم الله عليه الجنة , ومأواه النار , وما للظالمين من أنصار . . وهكذا حذرهم المسيح عليه السلام فلم يحذروا , ووقعوا بعد وفاته عنهم فيما حذرهم من الوقوع فيه , وما أنذرهم عليه الحرمان من الجنة والانتهاء إلى النار . . ونسوا قول المسيح - عليه السلام -: (يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم). . حيث أعلن لهم أنه هو وهم في العبودية سواء , لربوبية الله الواحد الذي ليس له من شركاء . ويستوفي القرآن الحكم على سائر مقولاتهم الكافرة: (لقد كفر الذين قالوا:إن الله ثالث ثلاثة). . ويقرر الحقيقة التي تقوم عليها كل عقيدة جاء بها رسول من عند الله: (وما من إله إلا إله واحد). . ويهددهم عاقبة الكفر الذي ينطقون به ويعتقدونه: (وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم). . والكافرون هم الذين لا ينتهون عن هذه المقولات التي حكم عليها الله بالكفر الصراح . ثم أردف التهديد والوعيد بالتحضيض والترغيب: (أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم). . ليبقي لهم باب التوبة مفتوحا ; وليطمعهم في مغفرة الله ورحمته , قبل فوات الآوان . . . ثم واجههم بالمنطق الواقعي القويم , لعله يرد فطرتهم إلى الإدراك السليم . مع التعجيب من أمرهم في الانصراف عن هذا المنطق بعد البيان والإيضاح: (ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل , وأمه صديقة , كانا يأكلان الطعام . انظر كيف نبين لهم الآيات . ثم انظر أنى يؤفكون . .) وأكل الطعام مسألة واقعية في حياة المسيح - عليه السلام - وأمه الصديقة . وهي خصيصة من خصائص الأحياء الحادثين , ودليل على بشرية المسيح وأمه - أو على ناسوته بتعبيرهم اللاهوتي - فأكل الطعام تلبية لحاجة جسدية لا مراء فيها . ولا يكون إلها من يحتاج إلى الطعام ليعيش . فالله حي بذاته , قائم بذاته , باق بذاته , لا يحتاج , ولا يدخل إلى ذاته - سبحانه - أو يخرج منها شيء حادث كالطعام . . ونظرا لوضوح هذا المنطق الواقعي ونصاعته التي لا يجادل فيها إنسان يعقل , فإنه يعقب عليه باستنكار موقفهم والتعجيب من انصرافهم عن ذلك المنطق البين: (انظر كيف نبين لهم الآيات , ثم انظر أنى يؤفكون). . ولقد كانت هذه الحياة البشرية الواقعية للمسيح عليه السلام , مصدر تعب لمن أرادوا تأليهه - على الرغم من تعاليمه - فقد احتاجوا إلى كثير من الجدل والخلاف حول لاهوتية المسيح عليه السلام وناسوتيته - كما السابق - التالي
|