ذكرنا ذلك من قبل باختصارواستطرادا في ذلك المنطق القرآني المبين من زاوية اخرى يجيء هذا الاستنكار: (قل:أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا ; والله هو السميع العليم)? . .
ويختار التعبير بكلمة "بما" بدل كلمة "من" في هذا الموضع قصدا . ليدرج "المخلوقات" التي تعبد كلها - بما فيها من العقلاء - في سلك واحد . لأنه يشير إلى ماهيتها المخلوقة الحادثة البعيدة عن حقيقية الألوهية . فيدخل عيسى , ويدخل روح القدس , وتدخل مريم , كلهم في "مًا لأنهم بماهيتهم من خلق الله . ويلقي هذا التعبير ظله كذلك في هذا المقام ; فيبعد أن يكون أحد من خلق الله مستحقا للعبادة ; وهو لا يملك لهم ضرا ولا نفعا:
(والله هو السميع العليم). .
الذي يسمع ويعلم ; ومن ثم يضر وينفع . كما أنه هو الذي يسمع دعاء عبيده وعبادتهم إياه , ويعلم ما تكنه صدورهم وما يكمن وراء الدعاء والعبادة . . فأما ما سواه فلا يسمع ولا يعلم ولا يستجيب الدعاء . .
وينهي هذا كله بدعوة جامعة , يكلف رسول الله [ ص ] أن يوجهها إلى أهل الكتاب:(قل:يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق , ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل , وأضلوا كثيرا . وضلوا عن سواء السبيل).
فمن الغلو في تعظيم عيسى - عليه السلام - جاءت كل الانحرافات . ومن أهواء الحكام الرومان الذين دخلوا النصرانية بوثنيتهم , ومن أهواء المجامع المتناحرة كذلك دخلت كل تلك المقولات على دين الله الذي أرسل به المسيح , فبلغة بأمانة الرسول , وهو يقول لهم: (يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم . إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة , ومأواه النار , وما للظالمين من أنصار). .
وهذا النداء الجديد هو دعوة الإنقاذ الأخيرة لأهل الكتاب ; ليخرجوا بها من خضم الانحرافات والاختلافات والأهواء والشهوات الذي خاض فيه أولئك الذين ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل . .
نقطة اللقاء في اعتبار الإسلام هي العقيدة
ونقف من هذا المقطع الذي انتهى بهذا النداء أمام ثلاث حقائق كبيرة , يحسن الإلمام بها في إجمال:الحقيقة الأولى:هي حقيقة هذا الجهد الكبير , الذي يبذله المنهج الإسلامي , لتصحيح التصور الاعتقادي , وإقامته على قاعدة التوحيد المطلقة ; وتنقيته من شوائب الوثنية والشرك التي أفسدت عقائد أهل الكتاب , وتعريف الناس بحقيقة الألوهية ; وإفراد الله - سبحانه - بخصائصها , وتجريد البشر وسائر الخلائق من هذه الخصائص . .
وهذا الاهتمام البالغ بتصحيح التصور الاعتقادي , وإقامته على قاعدة التوحيد الكامل الحاسم , يدل على أهمية هذا التصحيح . وأهمية التصور الاعتقادي في بناء الحياة الإنسانية وفي صلاحها , كما يدل على اعتبار الإسلام للعقيدة بوصفها القاعدة والمحور لكل نشاط إنساني , ولكل ارتباط إنساني كذلك .
والحقيقة الثانية:هي تصريح القرآن الكريم بكفر الذين قالوا:إن الله هو المسيح ابن مريم ; أو قالوا:إن الله ثالث ثلاثة:فلم يعد لمسلم - بعد قول الله سبحانه - قول . ولم يعد يحق لمسلم أن يعتبر أن هؤلاء