بهذا ينكشف لضمير المسلم هدف الشيطان , وغاية كيدة وثمرة رجسه . . إنها إيقاع العداوة والبغضاء في الصف المسلم - في الخمر والميسر - كما أنها هي صد (الذين آمنوًا عن ذكر الله وعن الصلاة). . ويالها إذن من مكيدة ! وهذه الأهداف التي يريدها الشيطان أمور واقعة يستطيع المسلمون ان يروها في عالم الواقع بعد تصديقها من خلال القول الإلهي الصادق بذاته . فما يحتاج الإنسان إلى طول بحث حتى يرى أن الشيطان يوقع العداوة والبغضاء - في الخمر والميسر - بين الناس . فالخمر بما تفقد من الوعي وبما تثير من عرامة اللحم والدم , وبما تهيج من نزوات ودفعات . والميسر الذي يصحابها وتصاحبه بما يتركه في النفوس من خسارات واحقاد ; إذا المقمور لابد ان يحقد على قامره الذي يستولى على ماله أمام عينيه , ويذهب به غانما وصاحبه مقمور مقهور . . إن من طبيعة هذه الأمور أن تثير العداوة والبغضاء , مهما جمعت بين القرناء في مجالات من العربدة والانطلاق اللذين يخيل للنظرة السطحية أنهما أنس وسعادة !
وأما الصد عن ذكر الله وعن الصلاة , فلا يحتاجان إلى نظر . . فالخمر تنسي , والميسر يلهي , وغيبوبة الميسر لا تقل عن غيبوبة الخمر عند المقامرين ; وعالم القامر كعالم السكير لا يتعدى الموائد والأقداح والقداح !
وهكذا عندما تبلغ هذه الإشارة إلى هدف الشيطان من هذا الرجس غايتها من إيقاظ قلوب (الذين آمنوا)وتحفزها , يجيء السؤال الذي لا جواب له عندئذ إلا جواب عمر رضي الله عنه وهو يسمع:
فهل أنتم منتهون ?
فيجيب لتوه:"انتهينا . انتهينا" . .
ولكن السياق يمضي بعد ذلك يوقع إيقاعه الكبير:
(وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا . فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين). .
إنها القاعدة التي يرجع إليها الأمر كله:طاعة الله وطاعة الرسول . . الإسلام . . الذي لا تبقى معه إلا الطاعة المطلقة لله وللرسول . . والحذر من المخالفة , والتهديد الملفوف:
(فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين). .
وقد بلغ وبين , فتحددت التبعة على المخالفين , بعد البلاغ المبين . .
إنه التهديد القاصم , في هذا الأسلوب الملفوف , الذي ترتعد له فرائص المؤمنين ! . . إنهم حين يعصون ولا يطيعون لا يضرون أحدا إلا أنفسهم . لقد بلغ الرسول [ ص ] وأدى ; ولقد نفض يديه من أمرهم إذن فما هو بمسؤول عنهم , وما هو بدافع عنهم عذابا - وقد عصوه ولم يطيعوه - ولقد صار أمرهم كله إلى الله سبحانه . وهو القادر على مجازاة العصاة
المتولين !
إنه المنهج الرباني يطرق القلوب , فتنفتح له مغاليقها , وتتكشف له فيها المسالك
والدروب . .
ولعله يحسن هنا أن نبين ما هي الخمر التي نزل فيها هذا النهي:
أخرج أبو داود بسنده عن ابن عباس - رضي الله عنهما -:"كل مخمر خمر . وكل مسكر حرام" . .
وخطب عمر - رضي الله عنه - على منبر النبي [ ص ] بمحضر جماعة من الصحابة فقال:"يا أيها الناس قد نزل تحريم الخمر يوم نزل وهي من خمسة:من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير . والخمر ما خامر العقل" . . [ ذكره القرطبي في تفسيره ] .