فقد أخبر بالابتلاء , وعرف حكمة تعرضه له , وحذر من الوقوع فيه ; وبذلت له كل أسباب النجاح فيه . . فإذا هو اعتدى - بعد ذلك - كان العذاب الأليم جزاء حقا وعدلا ; وقد اختار بنفسه هذا الجزاء واستحقه فعلا ,
بعد هذا يجيء تفصيل كفارة المخالفة مبدوءا بالنهي مختوما بالتهديد مرة أخرى:
(يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم . ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة , أو كفارة طعام مساكين , أو عدل ذلك صياما , ليذوق وبال أمره . عفا الله عما سلف , ومن عاد فينتقم الله منه , والله عزيز ذو انتقام). .
إن النهي ينصب على قتل المحرم للصيد عمدا . فأما إذا قتله خطأ فلا إثم عليه ولا كفارة . . فإذا كان القتل عمدا فكفارته أن يذبح بهيمة من الأنعام من مستوى الصيد الذي قتله . فالغزالة مثلا تجزى ء فيها نعجة أو عنزة . والأيل تجزى ء فيه بقرة . والنعامة والزرافة وما إليها تجزى ء فيها بدنة . . والأرنب والقط وأمثالها يجزى ء فيه أرنب , وما لا مقابل له من البهيمة يجزى ء عنه ما يوازي قيمته . .
ويتولى الحكم في هذه الكفارة اثنان من المسلمين ذوا عدل . فإذا حكما بذبح بهيمة أطلقت هديا حتى تبلغ الكعبة , تذبح هناك وتطعم للمساكين . أما إذا لم توجد بهيمة فللحكمين أن يحكما بكفارة طعام مساكين ; بما يساوي ثمن البهيمة أو ثمن الصيد [ خلاف فقهي ] . فإذا لم يجد صاحب الكفارة صام ما يعادل هذه الكفارة . مقدرا ثمن الصيد أو البهيمة , ومجزأ على عدد المساكين الذين يطعمهم هذا الثمن ; وصيام يوم مقابل إطعام كل مسكين . . أما كم يبلغ ثمن إطعام مسكين فهو موضع خلاف فقهي . ولكنه يتبع الأمكنة والأزمنة والأحوال .
وينص السياق القرآني على حكمة هذه الكفارة:
(ليذوق وبال أمره). .
ففي الكفارة معنى العقوبة , لأن الذنب هنا مخل بحرمة يشدد فيها الإسلام تشديدا كبيرا:لذلك يعقب عليها بالعفو عما سلف والتهديد بانتقام الله ممن لا يكف:
(عفا الله عما سلف , ومن عاد فينتقم الله منه , والله عزيز ذو انتقام).
فإذا اعتز قاتل الصيد بقوته وقدرته على نيل هذا الصيد , الذي أراد الله له الأمان في مثابة الأمان , فالله هو العزيز القوي القادر على الانتقام !
ذلك شأن صيد البر . فأما صيد البحر فهو حلال في الحل والإحرام:
(أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة). .
فحيوان البحر حلال صيده وحلال أكله للمحرم ولغير المحرم سواء . . ولما ذكر حل صيد البحر وطعامة , عاد فذكر حرمة صيد البر للمحرم:
(وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا). .
والذي عليه الإجماع هو حرمة صيد البر للمحرم . ولكن هناك خلاف حول تناول المحرم له إذا صاده غير المحرم . كما أن هناك خلافا حول المعنى بالصيد . وهل هو خاص بالحيوان الذي يصاد عادة . أم النهي شامل لكل حيوان , ولو لم يكن مما يصاد ومما لا يطلق عليه لفظ الصيد .
ويختم هذا التحليل وهذا التحريم باستجاشة مشاعر التقوى في الضمير ; والتذكير بالحشر إلى الله والحساب: (واتقوا الله الذي إليه تحشرون). . وبعد . ففيم هذه الحرمات ?