وهذا التعقيب يجيء قبل إتمام الحكم لإيقاظ القلوب , وتربية النفوس , وتنبيهها إلى قيام الله على الأمر بخبرته وعلمه بظاهره وخافيه . ثم يتابع بيان الحكم فيه:(فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا . فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا). . .
ثم التعقيب للبيان والتوجيه:
(ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله). . . وهم مؤمنون . . ولكن هذا البيان , وهذه الكفارات وما فيها من ربط أحوالهم بأمر الله وقضائه . . ذلك مما يحقق الإيمان , ويربط به الحياة ; ويجعل له سلطانا بارزا في واقع الحياة . (وتلك حدود الله). . أقامها ليقف الناس عندها لا يتعدونها . وهو يغضب على من لا يرعاها ولا يتحرج دونها: (وللكافرين عذاب أليم). . بتعديهم وتحديهم وعدم إيمانهم وعدم وقوفهم عند حدود الله كالمؤمنين . .
الدرس الثاني:5 - 6 هلاك وكبت وخسارة الذين يحادون الله ورسوله
وتلك العبارة الأخيرة: (وللكافرين عذاب أليم). . تناسب ختام الآية السابقة , وهي في الوقت ذاته قنطرة تربط بينها وبين الآية اللاحقة التي تتحدث عمن يحادون الله ورسوله . على طريقة القرآن في الانتقال من حديث لحديث في تسلسل عجيب:
(إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم , وقد أنزلنا آيات بينات وللكافرين عذاب مهين . يوم يبعثهم الله جميعا , فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه , والله على كل شيء شهيد). .
إن المقطع الأول في السورة كان صورة من صور الرعاية والعناية بالجماعة المسلمة . وهذا المقطع الثاني صورة من صور الحرب والنكاية للفريق الآخر . فريق الذين يحادون الله ورسوله , أي الذين يأخذون لهم موقفا عند الحد الآخر في مواجهة الله ورسوله ! وذكر المحادة بمناسبة ذكره قبلها لحدود الله . فهؤلاء لا يقفون عند حد الله ورسوله , بل عند الحد الآخر المواجه ! وهو تمثيل للمتخاصمين المتنازعين , لتفظيع عملهم وتقبيح موقفهم . وساء موقف مخلوق يتحدى فيه خالقه ورازقه , ويقف في تبجح عند الحد المواجه لحده !
هؤلاء المحادون المشاقون المتبجحون: (كبتوا كما كبت الذين من قبلهم). . والأرجح أن هذا دعاء عليهم . والدعاء من الله - سبحانه - حكم . فهو المريد وهو الفعال لما يريد . والكبت القهر والذل . والذين من قبلهم إما أن يكونوا هم الغابرين من الأقوام الذين أخذهم الله بنكاله وإما أن يكونوا الذين قهرهم المسلمون في بعض المواقع التي تقدمت نزول هذه الآية , كما حدث في غزوة بدر مثلا .
(وقد أنزلنا آيات بينات). .
تفصل هذه العبارة بين مصير الذين يحادون الله ورسوله في الدنيا ومصيرهم في الآخرة . . لتقرير أن هذا المصير وذاك تكفلت ببيانه هذه الآيات . وكذلك لتقرير أنهم يلاقون هذه المصائر لا عن جهل ولا عن غموض في الحقيقة , فقد وضحت لهم وعلموها بهذه الآيات البينات .
ثم يعرض مصيرهم في الآخرة مع التعقيب الموحي الموقظ المربي للنفوس:
(وللكافرين عذاب مهين . يوم يبعثهم الله جميعا , فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه . والله على كل شيء شهيد). .