عليها تسعة عشر). . وبمناسبة مشهد سقر . والقائمين عليها التسعة عشر . وما أثاره هذا العدد من بلبلة وفتنة وتساؤل وشك واستهزاء في أوساط المشركين وضعاف الإيمان , تتحدث السورة عن حكمة الله في ذكر هذا العدد , ثم تفتح كوة على حقيقة غيب الله , واختصاصه بهذا الغيب . وهي كوة تلقي ضوءا على جانب من التصور الإيماني لحقيقة غيب الله المكنون:(وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة . وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا , ليستيقن الذين أوتوا الكتاب , ويزداد الذين آمنوا إيمانا , ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون , وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون:ماذا أراد الله بهذا مثلا ? كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء , وما يعلم جنود ربك إلا هو , وما هي إلا ذكرى للبشر). .
ثم يصل أمر الآخرة وسقر ومن عليها بمشاهد كونية حاضرة , ليجمع على القلوب إيحاء هذه وتلك في معرض الإيقاظ والتحذير:(كلا والقمر . والليل إذ أدبر . والصبح إذا أسفر . إنها لإحدى الكبر . نذيرا للبشر . لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر). .
كما يعرض مقام المجرمين ومقام أصحاب اليمين , حيث يعترف المكذبون اعترافا طويلا بأسباب استحقاقهم للارتهان والقيد في يوم الجزاء والحساب , يعقب عليه بكلمة الفصل في أمرهم الذي لا تنفعهم فيه شفاعة شافع:(كل نفس بما كسبت رهينة . إلا أصحاب اليمين . في جنات يتساءلون عن المجرمين . ما سلككم في سقر ? قالوا:لم نك من المصلين . ولم نك نطعم المسكين . وكنا نخوض مع الخائضين . وكنا نكذب بيوم الدين . حتى أتانا اليقين . فما تنفعهم شفاعة الشافعين). .
وفي ظل هذا المشهد المخزي , والاعتراف المهين , يتساءل مستنكرا موقف المكذبين من الدعوة إلى التذكرة والنجاة من هذا المصير , ويرسم لهم مشهدا ساخرا يثير الضحك والزراية من نفارهم الحيواني الشموس:(فما لهم عن التذكرة معرضين ? كأنهم حمر مستنفرة . فرت من قسورة !).
ويكشف عن حقيقة الغرور الذي يساورهم فيمنعهم من الاستجابة لصوت المذكر الناصح .(بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة). . فهو الحسد للنبي [ ص ] والرغبة في أن يؤتى كل منهم الرسالة ! والسبب الدفين الآخر هو قلة التقوى:(كلا ! بل لا يخافون الآخرة). .
وفي الختام يجيء التقرير الجازم الذي لا مجاملة فيه:(كلا ! إنه تذكرة . فمن شاء ذكره)ورد الأمر كله إلى مشيئة الله وقدره:(وما يذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة). .
وهكذا تمثل السورة حلقة من حلقات الكفاح النفسي الذي كافحه القرآن للجاهلية وتصوراتها في قلوب قريش ; كما كافح العناد والكيد والإعراض الناشئ عن العمد والقصد بشتى الأساليب . . والمشابهات كثيرة بين اتجاهات هذه السورة واتجاهات سورة المزمل , وسورة القلم , مما يدل على أنها جميعا نزلت متقاربة , لمواجهة حالات متشابهة . . وذلك باستثناء الشطر الثاني من سورة المزمل , وقد نزل لشأن خاص بالرياضة الروحية للرسول [ ص ] وطائفة من الذين معه كما تقدم .
وهذه السورة قصيرة الآيات . سريعة الجريان . منوعة الفواصل والقوافي . يتئد إيقاعها أحيانا , ويجري