|
في ظلال القرآن
الكريم
المعارج من الاية 1 الى الاية 3 سَأَلَ سَائöلñ بöعَذَابٍ وَاقöعٍ (1) لّöلْكَافöرينَ لَيْسَ لَهُ دَافöعñ (2) مّöنَ اللَّهö ذöي الْمَعَارöجö (3)
سورة المعارج تقديم لسورة المعارج هذه السورة حلقة من حلقات العلاج البطيء , المديد , العميق , الدقيق , لعقابيل الجاهلية في النفس البشرية كما واجهها القرآن في مكة ; وكما يمكن أن يواجهها في أية جاهلية أخرى مع اختلافات في السطوح لا في الأعماق ! وفي الظواهر لا في الحقائق ! أو هي جولة من جولات المعركة الطويلة الشاقة التي خاضها في داخل هذه النفس , وفي خلال دروبها ومنحنياتها , ورواسبها وركامها . وهي أضخم وأطول من المعارك الحربية التي خاضها المسلمون - فيما بعد - كما أن هذه الرواسب وتلك العقابيل هي أكبر وأصعب من القوى التي كانت مرصودة ضد الدعوة الإسلامية والتي ما تزال مرصودة لها في الجاهليات القديمة والحديثة ! والحقيقة الأساسية التي تعالج السورة إقرارها هي حقيقة الآخرة وما فيها من جزاء ; وعلى وجه الخصوص ما فيها من عذاب للكافرين , كما أوعدهم القرآن الكريم . وهي تلم - في طريقها إلى إقرار هذه الحقيقة - بحقيقة النفس البشرية في الضراء والسراء . وهي حقيقة تختلف حين تكون مؤمنة وحين تكون خاوية من الإيمان . كما تلم بسمات النفس المؤمنة ومنهجها في الشعور والسلوك , واستحقاقها للتكريم . وبهوان الذين كفروا على الله وما أعده لهم من مذلة ومهانة تليق بالمستكبرين . . وتقرر السورة كذلك اختلاف القيم والمقاييس في تقدير الله وتقدير البشر , واختلاف الموازين . . . وتؤلف بهذه الحقائق حلقة من حلقات العلاج الطويل لعقابيل الجاهلية وتصوراتها , أو جولة من جولات المعركة الشاقة في دروب النفس البشرية ومنحنياتها . تلك المعركة التي خاضها القرآن فانتصر فيها في النهاية مجردا من كل قوة غير قوته الذاتية . فقد كان انتصار القرآن الحقيقي في داخل النفس البشرية - ابتداء - قبل أن يكون له سيف يدفع الفتنة عن المؤمنين به فضلا على أن يرغم به أعداءه على الاستسلام له ! والذي يقرأ هذا القرآن - وهو مستحضر في ذهنه لأحداث السيرة - يشعر بالقوة الغالبة والسلطان البالغ الذي كان هذا القرآن يواجه به النفوس في مكة ويروضها حتى تسلس قيادها راغبة مختارة . ويرى أنه كان يواجه النفوس بأساليب متنوعة تنوعا عجيبا . . تارة يواجهها بما يشبه الطوفان الغامر من الدلائل الموحية والمؤثرات الجارفة ! وتارة يواجهها بما يشبه الهراسة الساحقة التي لا يثبت لها شيء مما هو راسخ في كيانها من التصورات والرواسب ! وتارة يواجهها بما يشبه السياط اللاذعة تلهب الحس فلا يطيق وقعها ولا يصبر على لذعها ! وتارة يواجهها بما يشبه المناجاة الحبيبة , والمسارة الودود , التي تهفو لها المشاعر وتأنس لها القلوب ! وتارة يواجهها بالهول المرعب , والصرخة المفزعة , التي تفتح الأعين على الخطر الداهم القريب ! وتارة يواجهها بالحقيقة في بساطة ونصاعة لا تدع مجالا للتلفت عنها ولا الجدال فيها . وتارة يواجهها بالرجاء الصبوح والأمل الندي الذي يهتف لها ويناجيها . وتارة يتخلل مساربها ودروبها ومنحنياتها فيلقي عليها الأضواء التي تكشفها لذاتها فترى ما يجري في داخلها رأي العين , وتخجل من بعضه , وتكره بعضه , وتتيقظ لحركاتها وانفعالاتها التي كانت غافلة عنها ! . . ومئات من اللمسات , ومئات من اللفتات , ومئات من الهتافات , ومئات من المؤثرات . . يطلع عليها قارئ القرآن , وهو يتبع تلك المعركة الطويلة , وذلك العلاج البطيء . ويرى كيف انتصر القرآن على الجاهلية في تلك النفوس العصية العنيدة . وهذه السورة تكشف عن جانب من هذه المحاولة في إقرار حقيقة الآخرة , والحقائق الأخرى التي ألمت بها في الطريق إليها . وحقيقة الآخرة هي ذاتها التي تصدت لها سورة الحاقة , ولكن هذه السورة تعالجها بطريقة أخرى , وتعرض لها من زاوية جديدة , وصور وظلال جديدة . . في سورة الحاقة كان الاتجاه إلى تصوير الهول والرعب في هذا اليوم , ممثلين في حركات عنيفة في مشاهد الكون الهائلة:(فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة , وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة . فيومئذ وقعت الواقعة , وانشقت السماء فهي يومئذ واهية). . وفي الجلال المهيب في ذلك المشهد المرهوب:(والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية). . وفي التكشف الذي ترتج له وتستهوله المشاعر:(يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية). . كذلك كان الهول والرعب يتمثلان في مشاهد العذاب , حتى في النطق بالحكم بهذا العذاب:(خذوه . فغلوه . ثم الجحيم صلوه . ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه). . كما يتجلى في صراخ المعذبين وتأوهاتهم وحسراتهم: (يا ليتني لم أوت كتابيه . ولم أدر ما حسابيه . يا ليتها كانت القاضية . .) فأما هنا في هذه السورة فالهول يتجلى في ملامح النفوس وسماتها وخوالجها وخطواتها , أكثر مما يتجلى في مشاهد الكون وحركاته . حتى المشاهد الكونية يكاد الهول يكون فيها نفسيا ! وهو على كل حال ليس أبرز ما في الموقف من أهوال . إنما الهول مستكن في النفس يتجلى مداه في مدى ما يحدثه فيها من خلخلة وذهول وروعة:(يوم تكون السماء كالمهل , وتكون الجبال كالعهن . ولا يسأل حميم حميما . يبصرونهم يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه , وصاحبته وأخيه , وفصيلته التي تؤويه , ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه). . وجهنم هنا "نفس" ذات مشاعر وذات وعي تشارك مشاركة الأحياء في سمة الهول الحي: إنها لظى . نزاعة للشوى . تدعوا من أدبر وتولى وجمع فأوعى . . والعذاب ذاته يغلب عليه طابع نفسي أكثر منه حسيا:(يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون , خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة , ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون). . فالمشاهد والصور والظلال لهذا اليوم تختلف في سورة المعارج عنها في سورة الحاقة , باختلاف طابعي السورتين في عمومه . مع اتحاد الحقيقة الرئيسية التي تعرضها السورتان في هذه المشاهد . ومن ثم فقد تناولت سورة المعارج - فيما تناولت - تصوير النفس البشرية في الضراء والسراء , في حالتي الإيمان والخواء من الإيمان . وكان هذا متناسقا مع طابعها "النفسي" الخاص:فجاء في صفة الإنسان (إن الإنسان خلق هلوعا . إذا مسه الشر جزوعا , وإذا مسه الخير منوعا . إلا المصلين , الذين هم على صلاتهم دائمون . . الخ. . واستطرد السياق فصور هنا صفات النفوس المؤمنة وسماتها الظاهرة والمضمرة تمشيا مع طبيعة السورة وأسلوبها: (إلا المصلين . الذين هم على صلاتهم دائمون . والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم . والذين يصدقون بيوم الدين . والذين هم من عذاب ربهم مشفقون . إن عذاب ربهم غير مأمون . والذين هم لفروجهم حافظون . إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين . فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون . والذين هم لآماناتهم وعهدهم راعون . والذين هم بشهاداتهم قائمون . والذين هم على صلاتهم يحافظون . . .). . ولقد كان الاتجاه الرئيسي في سورة الحاقة إلى تقرير حقيقة الجد الصارم في شأن العقيدة . ومن ثم كانت حقيقة الآخرة واحدة من حقائق أخرى في السورة , كحقيقة أخذ المكذبين أخذا صارما في الأرض ; وأخذ كل من يبدل في العقيدة بلا تسامح . . فأما الاتجاه الرئيسي في سورة المعارج فهو إلى تقرير حقيقة الآخرة وما فيها من جزاء , وموازين هذا الجزاء . فحقيقة الآخرة هي الحقيقة الرئيسية فيها . ومن ثم كانت الحقائق الأخرى في السورة كلها متصلة اتصالا مباشرا بحقيقة الآخرة فيها . من ذلك حديث السورة عن الفارق بين حساب الله في أيامه وحساب البشر , وتقدير الله لليوم الآخر وتقدير البشر: تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة , فاصبر صبرا جميلا . إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا . . . الخ وهو متعلق باليوم الآخر . ومنه ذلك الفارق بين النفس البشرية في الضراء والسراء في حالتي الإيمان والخلو من الإيمان . وهما مؤهلان للجزاء في يوم الجزاء . ومنه غرور الذين كفروا وطمعهم أن يدخلوا كلهم جنات نعيم , مع هوانهم على الله وعجزهم عن سبقه والتفلت من عقابه . وهو متصل اتصالا وثيقا بمحور السورة الأصيل . وهكذا تكاد السورة تقتصر على حقيقة الآخرة وهي الحقيقة الكبيرة التي تتصدى لإقرارها في النفوس . مع تنوع اللمسات والحقائق الأخرى المصاحبة ! للموضوع الأصيل . ظاهرة أخرى في هذا الإيقاع الموسيقي للسورة , الناشئ من بنائها التعبيري . . فقد كان التنوع الإيقاعي في الحاقة ناشئا من تغير القافية في السياق من فقرة لفقرة . وفق المعنى والجو فيه . . فأما هنا في سورة المعارج فالتنوع أبعد نطاقا , لأنه يشمل تنوع الجملة الموسيقية كلها لا إيقاع القافية وحدها . والجملة الموسيقية هنا أعمق وأعرض وأشد تركيبا . ويكثر هذا التنوع في شطر السورة الأول بشكل ملحوظ . ففي هذا المطلع ثلاث جمل موسيقية منوعة - مع اتحاد الإيقاع في نهاياتها - من حيث الطول ومن حيث الإيقاعات الجزئية فيها على النحو التالي: (سأل سائل بعذاب واقع . للكافرين ليس له دافع . من الله ذي المعارج . تعرج الملائكة والروح إليه . في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة . فاصبر صبرا جميلا). . حيث تنتهي بمد الألف في الإيقاع الخامس . (إنهم يرونه بعيدا . ونراه قريبا). . حيث يتكرر الإيقاع بمد الألف مرتين . (يوم تكون السماء كالمهل . وتكون الجبال كالعهن . ولا يسأل حميم حميما). . حيث تنتهي بمد الألف في الإيقاع الثالث . مع تنوع الإيقاع في الداخل . (يبصرونهم يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه . وصاحبته وأخيه . وفصيلته التي تؤويه . ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه . كلا إنها لظى). . حيث تنتهي بمد الألف في الإيقاع الخامس كالأول . (نزاعة للشوى . . تدعو من أدبر وتولى . وجمع فأوعى . إن الإنسان خلق هلوعا . إذا مسه الشر جزوعا . وإذا مسه الخير منوعا). . حيث يتكرر إيقاع المد بالألف خمس مرات منهما اثنتان في النهاية تختلفان عن الثلاثة الأولى . ثم يستقيم الإيقاع في باقي السورة على الميم والنون وقبلهما واو أو ياء . . والتنويع الإيقاعي في مطلع السورة عميق وشديد التعقيد في الصياغة الموسيقية بشكل يلفت الأذن الموسيقية إلى ما في هذا التنويع المعقد الراقي - موسيقيا - من جمال غريب على البيئة العربية وعلى الإيقاع الموسيقي العربي . ولكن الأسلوب القرآني يطوعه ويمنحه اليسر الذي يدخل به إلى الأذن العربية فتقبل عليه , وإن كان فنا إبداعيا عميقا جديدا على مألوفها الموسيقي . والآن نستعرض السورة تفصيلا . . . الدرس الأول:1 - 18 قرب وقوع يوم القيامة والهول في مشاهده سأل سائل بعذاب واقع , للكافرين ليس له دافع , من الله ذي المعارج , تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة , فاصبر صبرا جميلا , إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا , يوم تكون السماء كالمهل , وتكون الجبال كالعهن , ولا يسأل حميم حميما , يبصرونهم , يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه , وصاحبته وأخيه , وفصيلته التي تؤويه , ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه . كلا ! إنها لظى , نزاعة للشوى , تدعو من أدبر وتولى , وجمع فأوعى . . كانت حقيقة الآخرة من الحقائق العسيرة الإدراك عند مشركي العرب ; ولقد لقيت منهم معارضة نفسية عميقة , وكانوا يتلقونها بغاية العجب والدهش والاستغراب ; وينكرونها أشد الإنكار , ويتحدون الرسول [ ص ] في صور شتى أن يأتيهم بهذا اليوم الموعود , أو أن يقول لهم:متى يكون . وفي رواية عن ابن عباس أن الذي سأل عن العذاب هو النضر بن الحارث . وفي رواية أخرى عنه:قال:ذلك سؤال الكفار عن عذاب الله وهو واقع بهم . وعلى أية حال فالسورة تحكي أن هناك سائلا سأل وقوع العذاب واستعجله . وتقرر أن هذا العذاب واقع فعلا , لأنه كائن في تقدير الله من جهة , ولأنه قريب الوقوع من جهة أخرى . وأن أحدا لا يمكنه دفعه ولا منعه . فالسؤال عنه واستعجاله - وهو واقع ليس له من دافع - يبدو تعاسة من السائل المستعجل ; فردا كان أو مجموعة ! وهذا العذاب للكافرين . . إطلاقا . . فيدخل فيه أولئك السائلون المستعجلون كما يدخل فيه كل كافر . وهو واقع من الله (ذي المعارج). . وهو تعبير عن الرفعة والتعالي , كما قال في السورة الأخرى: (رفيع الدرجات ذو العرش). . وبعد هذا الافتتاح الذي يقرر كلمة الفصل في موضوع العذاب , ووقوعه , ومستحقيه , ومصدره , وعلو هذا المصدر ورفعته , مما يجعل قضاءه أمرا علويا نافذا لا مرد له ولا دافع . . بعد هذا أخذ في وصف ذلك اليوم الذي سيقع فيه هذا العذاب , والذي يستعجلون به وهو منهم قريب . ولكن تقدير الله غير تقدير البشر , ومقاييسه غير مقاييسهم:
التالي
|