(كلا !)في ردع وفي تحقير . . (إنا خلقناهم مما يعلمون)! وهم يعلمون مم خلقوا ! من ذلك الماء المهين الذي يعرفون ! والتعبير القرآني المبدع يلمسهم هذه اللمسة الخفية العميقة في الوقت ذاته ; فيمسح بها كبرياءهم مسحا , وينكس بها خيلاءهم تنكيسا , دون لفظة واحدة نابية , أو تعبير واحد جارح . بينما هذه الإöشارة العابرة تصور الهوان والزهادة والرخص أكمل تصوير ! فكيف يطمعون أن يدخلوا جنة نعيم على الكفر وسوء الصنيع ? وهم مخلوقون مما يعلمون ! وهم أهون على الله من أن تكون لهم دالة عليه , وخرق لسنته في الجزاء العادل باللظى وبالنعيم .
واستطرادا في تهوين أمرهم , وتصغير شأنهم , وتنكيس كبريائهم , يقرر أن الله قادر على أن يخلق خيرا منهم , وأنهم لا يعجزونه فيذهبون دون ما يستحقون من جزاء أليم:
(فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون , على أن نبدل خيرا منهم وما نحن بمسبوقين).
والأمر ليس في حاجة إلى قسم . ولكن التلويح بذكر المشارق والمغارب , يوحي بعظمة الخالق . والمشارق والمغارب قد تعني مشارق النجوم الكثيرة ومغاربها في هذا الكون الفسيح . كما أنها قد تعني المشارق والمغارب المتوالية على بقاع الأرض . وهي تتوالى في كل لحظة . ففي كل لحظة أثناء دوران الأرض حول نفسها أمام الشمس يطلع مشرق ويختفي مغرب . . .
وأيا كان مدلول المشارق والمغارب , فهو يوحي إلى القلب بضخامة هذا الوجود , وبعظمة الخالق لهذا الوجود . فهل يحتاج أمر أولئك المخلوقين مما يعلمون إلى قسم برب المشارق والمغارب , على أنه - سبحانه - قادر على أن يخلق خيرا منهم , وأنهم لا يسبقونه ولا يفوتونه ولا يهربون من مصيرهم المحتوم ?! .
الدرس الرابع:42 - 44 تهديد الكفار وصورة لهول البعث
وعندما يبلغ السياق هذا المقطع , بعد تصوير هول العذاب في ذلك اليوم المشهود ; وكرامة النعيم للمؤمنين , وهوان شأن الكافرين . يتجه بالخطاب إلى رسول الله [ ص ] ليدعهم لذلك اليوم ولذلك العذاب , ويرسم مشهدهم فيه , وهو مشهد مكروب ذليل:
(فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون . يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون , خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة , ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون). .
وفي هذا الخطاب من تهوين شأنهم , ومن التهديد لهم , ما يثير الخوف والترقب . وفي مشهدهم وهيئتهم وحركتهم في ذلك اليوم ما يثير الفزع والتخوف . كما أن في التعبير من التهكم والسخرية ما يناسب اعتزازهم بأنفسهم واغترارهم بمكانتهم . .
فهؤلاء الخارجون من القبور يسرعون الخطى كأنما هم ذاهبون إلى نصب يعبدونه . . وفي هذا التهكم تناسق مع حالهم في الدنيا . لقد كانوا يسارعون إلى الأنصاب في الأعياد ويتجمعون حولها . فها هم أولاء يسارعون اليوم , ولكن شتان بين يوم ويوم !
ثم تتم سماتهم بقوله: (خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة)فنلمح من خلال الكلمات سيماهم كاملة , وترتسم لنا من قسماتهم صورة واضحة . صورة ذليلة عانية . . لقد كانوا يخوضون ويلعبون فهم اليوم أذلاء مرهقون . .
(ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون).
فكانوا يستريبون فيه ويكذبون ويستعجلون !