(فاصبر صبرا جميلا). . والخطاب هنا للرسول [ ص ] تثبيتا لقلبه على ما يلقى من عنت المناوأة والتكذيب . وتقريرا للحقيقة الأخرى:وهي أن تقدير الله للأمور غير تقدير البشر ; ومقاييسه المطلقة غير مقاييسهم الصغيرة:
(إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا). .
ثم يرسم مشاهد اليوم الذي يقع فيه ذلك العذاب الواقع , الذي يرونه بعيدا ويراه الله قريبا . يرسم مشاهده في مجالي الكون وأغوار النفس . وهي مشاهد تشي بالهول المذهل المزلزل في الكون وفي النفس سواء:
(يوم تكون السماء كالمهل , وتكون الجبال كالعهن). .
والمهل ذوب المعادن الكدر كدردي الزيت . والعهن هو الصوف المنتفش . والقرآن يقرر في مواضع مختلفة أن أحداثا كونية كبرى ستقع في هذا اليوم , تغير أوضاع الأجرام الكونية وصفاتها ونسبها وروابطها . ومن هذه الأحداث أن تكون السماء كالمعادن المذابة . وهذه النصوص جديرة بأن يتأملها المشتغلون بالعلوم الطبيعية والفلكية . فمن المرجح عندهم أن الأجرام السماوية مؤلفة من معادن منصهرة إلى الدرجة الغازية - وهي بعد درجة الانصهار والسيولة بمراحل - فلعلها في يوم القيامة ستنطفئ كما قال:(وإذا النجوم انكدرت)وستبرد حتى تصير معادن سائلة ! وبهذا تتغير طبيعتها الحالية وهي الطبيعة الغازية !
على أية حال هذا مجرد احتمال ينفع الباحثين في هذه العلوم أن يتدبروه . أما نحن فنقف أمام هذا النص نتملى ذلك المشهد المرهوب , الذي تكون فيه السماء كذوب المعادن الكدر , وتكون فيه الجبال كالصوف الواهن المنتفش . ونتملى ما وراء هذا المشهد من الهول المذهل الذي ينطبع في النفوس , فيعبر عنه القرآن أعمق تعبير:
(ولا يسأل حميم حميما . يبصرونهم . يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه . وصاحبته وأخيه . وفصيلته التي تؤويه . ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه).
إن الناس في هم شاغل , لا يدع لأحد منهم أن يتلفت خارج نفسه , ولا يجد فسحة في شعوره لغيره:(ولا يسأل حميم حميما). فلقد قطع الهول المروع جميع الوشائج , وحبس النفوس على همها لا تتعداه . . وإنهم ليعرضون بعضهم على بعض(يبصرونهم)كأنما عمدا وقصدا ! ولكن لكل منهم همه , ولكل ضمير منهم شغله . فلا يهجس في خاطر صديق أن يسأل صديقه عن حاله , ولا أن يسأله عونه . فالكرب يلف الجميع , والهول يغشى الجميع . .
فما بال(المجرم)? إن الهول ليأخذ بحسه , وإن الرعب ليذهب بنفسه , وإنه ليود لو يفتدي من عذاب يومئذ بأعز الناس عليه , ممن كان يفتديهم بنفسه في الحياة , ويناضل عنهم , ويعيش لهم . . ببنيه . وزوجه . وأخيه , وعشيرته القريبة التي تؤويه وتحميه . بل إن لهفته على النجاة لتفقده الشعور بغيره على الإطلاق , فيود لو يفتدي بمن في الأرض جميعا ثم ينجيه . . وهي صورة للهفة الطاغية والفزع المذهل والرغبة الجامحة في الإفلات ! صورة مبطنة بالهول , مغمورة بالكرب , موشاة بالفزع , ترتسم من خلال التعبير القرآني الموحي .
وبينما المجرم في هذه الحال , يتمنى ذلك المحال , يسمع ما ييئس ويقنط من كل بارقة من أمل , أو كل حديث خادع من النفس . كما يسمع الملأ جميعا حقيقة الموقف وما يجري فيه:
كلا ! إنها لظى . نزاعة للشوى . تدعو من أدبر وتولى وجمع فأوعى . .
إنه مشهد تطير له النفس شعاعا , بعد ما أذهلها كرب الموقف وهوله . .(كلا !)في ردع عن تلك الأماني