(جزاء وفاقا). . يوافق ما أسلفوا وما قدموا . .(إنهم كانوا لا يرجون حسابا). . ولا يتوقعون مآبا . .(وكذبوا بآياتنا كذابا). . وجرس اللفظ فيه شدة توحي بشدة التكذيب وشدة الإصرار عليه . بينما كان الله يحصي عليهم كل شيء إحصاء دقيقا لا يفلت منه حرف:(وكل شيء أحصيناه كتابا). . هنا يجيء التأنيب الميئس من كل رجاء في تغيير أو تخفيف:(فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا). .
الدرس الخامس:31 - 36 لقطات من نعيم المتقين في الجنة
ثم يعرض المشهد المقابل:مشهد التقاة في النعيم . بعد مشهد الطغاة في الحميم:
(إن للمتقين مفازا . حدائق وأعنابا . وكواعب أترابا . وكأسا دهاقا . لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا . . جزاء من ربك عطاء حسابا). .
فإذا كانت جهنم هناك مرصدا ومآبا للطاغين , لا يفلتون منها ولا يتجاوزونها , فإن المتقين ينتهون إلى مفازة ومنجاة , تتمثل(حدائق وأعنابا)ويخص الأعناب بالذكر والتعيين لأنها مما يعرفه المخاطبون . .(وكواعب)وهن الفتيات الناهدات اللواتي استدارت ثديهن(أترابا)متوافيات السن والجمال .(وكأسا دهاقا)مترعة بالشراب .
وهي مناعم ظاهرها حسي , لتقريبها للتصور البشري . أما حقيقة مذاقها والمتاع بها فلا يدركها أهل الأرض وهم مقيدون بمدارك الأرض وتصوراتها . . وإلى جوارها حالة يتذوقها الضمير ويدركها الشعور:(لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا). . فهي حياة مصونة من اللغو والتكذيب الذي يصاحبه الجدل ; فالحقيقة مكشوفة لا مجال فيها لجدل ولا تكذيب ; كما أنه لا مجال للغو الذي لا خير فيه . . وهي حالة من الرفعة والمتعة تليق بدار الخلود . .
(جزاء من ربك عطاء حسابا). . ونلمح هنا ظاهرة الأناقة في التعبير والموسيقى في التقسيم بين(جزاء)و(عطاء). . كما نلمحها في الإيقاع المشدود في الفواصل كلها على وجه التقريب . . وهي الظاهرة الواضحة في الجزء كله إجمالا .
الدرس السادس:37 - 38 لا كلام يوم القيامة إلا بإذن الله
وتكملة لمشاهد اليوم الذي الذي يتم فيه ذلك كله , والذي يتساءل عنه المتسائلون , ويختلف فيه المختلفون . يجيء المشهد الختامي في السورة , حيث يقف جبريل "عليه السلام" والملائكة صفا بين يدي الرحمن خاشعين . لا يتكلمون - إلا من أذن له الرحمن - في الموقف المهيب الجليل:
(رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه خطابا . يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا). .
ذلك الجزاء الذي فصله في المقطع السابق:جزاء الطغاة وجزاء التقاة . هذا الجزاء (من ربك). . (رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن). . فهي المناسبة المهيأة لهذه اللمسة ولهذه الحقيقة الكبيرة . حقيقة الربوبية الواحدة التي تشمل الإنسان . كما تشمل السماوات والأرض , وتشمل الدنيا والآخرة , وتجازي على الطغيان والتقوى , وتنتهي إليها الآخرة والأولى . . ثم هو(الرحمن). . ومن رحمته ذلك الجزاء لهؤلاء وهؤلاء . حتى عذاب الطغاة ينبثق من رحمة الرحمن . ومن الرحمة أن يجد الشر جزاءه وألا يتساوى مع الخير في مصيره !
ومع الرحمة والجلال: (لا يملكون منه خطابا). . في ذلك اليوم المهيب الرهيب:يوم يقف جبريل -