بعد ذلك يستطرد الى رخصة , يبيحها الله للمهاجرين , أو الضاربين في الأرض للجهاد أو للتجارة . في حالة خوفهم أن يأخذهم الذين كفروا أسارى . فيفتنوهم عن دينهم . وهي رخصة القصر من الصلاة - وهو غير القصر المرخص به للمسافر إطلاقا سواء خاف فتنة الذين كفروا أو لم يخف - فهذا قصر خاص .
وإذا ضربتم في الأرض , فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة - إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا - إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينًا . .
إن الضارب في الأرض في حاجة ماسة إلى الصلة الدائمة بربه , تعينه على ما هو فيه , وتكمل عدته وسلاحه فيما هو مقدم عليه , وما هو مرصود له في الطريق . . والصلاة أقرب الصلات إلى الله . وهي العدة التي يدعى المسلمون للاستعانة بها في الشدائد والملمات . فكلما كان هناك خوف أو مشقة قال لهم: (واستعينوا بالصبر والصلاة). .
ومن ثم يجيء ذكرها هنا في إبانها المناسب , وفي وقت الحاجة إليها والاضطرار . فما أحوج الخائف في الطريق إلى أن يطمئن قلبه بذكر الله . وما أحوج المهاجر من أرضه إلى أن يلتجى ء إلى حمى الله . . غير أن الصلاة الكاملة - وما فيها من قيام وركوع وسجود - قد تعوق الضارب في الأرض عن الإفلات من كمين قريب . أو قد تلفت إليه أنظار عدوه فيعرفوه . أو قد تمكن لهم منه وهو راكع أو ساجد فيأخذوه . . ومن ثم هذه الرخصة للضارب في الأرض أن يقصر في الصلاة عند مخافة الفتنة .
والمعنى الذي نختاره في القصر هنا هو المعنى الذي اختاره الإمام الجصاص . وهو أنه ليس القصر في عدد الركعات بجعلها اثنتين في الصلاة الرباعية . فهذا مرخص به للمسافر إطلاقا , بلا تخصيص حالة الخوف من الفتنة . بل هذا هو المختار في الصلاة للمسافر - كفعل رسول الله [ ص ] في كل سفر - بحيث لا يجوز إكمال الصلاة في السفر في أرجح الأقوال .
وإذن فهذه الرخصة الجديدة - في حالة خوف الفتنة - تعني معنى جديدا غير مجرد القصر المرخص به لكل مسافر . إنما هو قصر في صفة الصلاة ذاتها . كالقيام بلا حركة ولا ركوع ولا سجود ولا قعود للتشهد . حيث يصلي الضارب في الأرض قائما وسائرا وراكبا , ويومى ء للركوع والسجود .
وكذلك لا يترك صلته بالله في حالة الخوف من الفتنه , ولا يدع سلاحه الأول في المعركة , ويأخذ حذره من عدوه:
إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينًا .
الدرس الخامس:102 - 103 صلاة الخوف
وبمناسبة الحديث عن صلاة الضارب في الأرض , الخائف من فتنة الذين كفروا , يجيء حكم صلاة الخوف في أرض المعركة ; وتحتشد جنبات هذا الحكم الفقهي بلمسات نفسية وتربوية شتى:
وإذا كنت فيهم , فأقمت لهم الصلاة , فلتقم طائفة منهم معك , وليأخذوا أسلحتهم ; فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم . ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك ; وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم . ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم , فيميلون عليكم ميلة واحدة . ولا جناح عليكم - إن كان بكم أذى من مطر , أو كنتم مرضى - أن تضعوا أسلحتكم . وخذوا حذركم , إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا . فإذا