ثم هو حلقة من حلقات المنهج التربوي الحكيم , في إعداد هذه الجماعة لتكون الأمة التي تقود البشرية ; بتفوقها التربوي والتنظيمي ; وليعالج فيها مواضع الضعف البشري ورواسب المجتمع الجاهلي ; وليخوض بها المعركة في ميادينها كلها . . وهو الهدف الذي تتوخاه السورة بشتى موضوعاتها , ويتولاه المنهج القرآني كله . .
الدرس الأول:114 النجوى الفاضلة النافعة
لا خير في كثير من نجواهم . إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس . ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله , فسوف نؤتيه أجرا عظيمًا . .
لقد تكرر في القرآن النهي عن النجوى ; وهي أن تجتمع طائفة بعيدا عن الجماعة المسلمة وعن القيادة المسلمة , لتبيت أمرا . . وكان اتجاه التربية الإسلامية واتجاه التنظيم الإسلامي كذلك أن يأتي كل إنسان بمشكلته أو بموضوعه , فيعرضه على النبى [ ص ] مسارة إن كان أمرا شخصيا لا يريد أن يشيع عنه شيء في الناس . أو مساءلة علنية إن كان من الموضوعات ذات الصبغة العامة , التي ليست من خصوصيات هذا الشخص .
والحكمة في هذه الخطة , هو ألا تتكون "جيوب" في الجماعة المسلمة ; وألا تنعزل مجموعات منها بتصوراتها ومشكلاتها , أو بأفكارها واتجاهاتها . وألا تبيت مجموعة من الجماعة المسلمة أمرا بليل , وتواجه به الجماعة أمرا مقررا من قبل ; أو تخفيه عن الجماعة وتستخفي به عن أعينها - وإن كانت لا تختفي به عن الله وهو معهم إذ يبيتون مالا يرضى من القول .
وهذا الموضع أحد المواضع التي ورد فيها هذا النهي عن التناجي والتبييت بمعزل عن الجماعة المسلمة وقيادتها . .
ولقد كان المسجد هو ندوة الجماعة المسلمة , تتلاقى فيه وتتجمع للصلاة ولشؤون الحياة . وكان المجتمع المسلم كله مجتمعا مفتوحا ; تعرض مشكلاته - التي ليست بأسرار للقيادة في المعارك وغيره ; والتي ليست بمسائل شخصية بحتة لا يحب أصحابها أن تلوكها الألسن - عرضا عاما . وكان هذا المجتمع المفتوح من ثم مجتمعا نظيفا طلق الهواء . لا يتجنبه ليبيت من وراء ظهره , إلا الذين يتأمرون عليه ! أو على مبدأ من مبادئه - من المنافقين غالبا - وكذلك اقترنت النجوى بالمنافقين في معظم المواضع .
وهذه حقيقة تنفعنا . فالمجتمع المسلم يجب أن يكون بريئا من هذه الظاهرة , وأن يرجع أفراده إليه وإلى قيادتهم العامة بما يخطر لهم من الخواطر , أو بما يعرض لهم من خطط واتجاهات أو مشكلات !
والنص القرآني هنا يستثني نوعا من النجوى . . هو في الحقيقة ليس منها , وإن كان له شكلها:
(إلا من أمر بصدقة أو معروف , أو إصلاح بين الناس). .
وذلك أن يجتمع الرجل الخير بالرجل الخير , فيقول له:هلم نتصدق على فلان فقد علمت حاجته في خفية عن الأعين . أو هلم إلى معروف معين نفعله أو نحض عليه . أو هلم نصلح بين فلان وفلان فقد علمت أن بينهما نزاعا . . وقد تتكون العصبة من الخيرين لأداء أمر من هذه الأمور , وتتفق فيما بينها سرا على النهوض بهذا الأمر . فهذا ليس نجوى ولا تآمرا . ومن ثم سماه "أمرًا" وإن كان له شكل النجوى , في مسارة الرجل الخير للخيرين أمثاله بأمر في معروف يعلمه أو خطر له . .
على شرط أن يكون الباعث هو ابتغاء مرضاة الله: